الرئيسيةمقالات

سلسلة حياتك السعيدة المقال (39): جمالُ التسليم.. كيف تُريحُ قلبَك من عناءِ التدبير؟

بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

أرِحْ نفسَك من عناءِ التدبير؛ فما قام به غيرُك عنك لا تقم به أنت لنفسك. خذ بالأسباب، وابذل ما تستطيع، ثم فوِّض أمرك إلى الله تعالى؛ فالسعادة ليست في أن تتحكم في كل تفاصيل الحياة، وإنما في أن تسعى بجدية، وتخطط بحكمة، ثم تترك النتائج لتدبير الله تعالى وأقداره.

التسليم لله تعالى ليس استسلامًا للعجز، ولا دعوةً إلى ترك السعي، بل هو طمأنينة القلب بعد بذل السبب، وثقة المؤمن بأن تدبير الله تعالى أحكم وأرحم من تدبيره لنفسه.

وفي هذه المحطة من «سلسلة حياتك السعيدة» نتعلم أن المستقبل بيد الله تعالى، وأن الإفراط في التفكير فيما لم يحدث بعد قد يستنزف حاضرنا، وأن الرضا بأقدار الله تعالى لا يعني غياب الألم، وإنما يعني ألّا نفقد يقيننا برحمة الله تعالى وحكمته ونحن نمر بمواقف الحياة المختلفة.

تأملات (381–390):

381. الثقة بالله تعالى تُغني القلب عن الخوف من تبدُّل الأحوال. فالأيام تتغير، والظروف تتبدل، لكن رحمة الله تعالى ولطفه لا يضيعان؛ فثق بالله تعالى، ولا تجعل تقلُّبات الحياة سببًا لاضطراب قلبك.

382. الهدوء النفسي يعزِّز مهارات القيادة الهادئة. فمن امتلك السكينة كان أقدر على حسن القرار، واحتواء الآخرين، ونشر الأمل والثبات من حوله؛ فالهدوء يمنح صاحبه حضورًا مؤثرًا، ويعينه على التعامل مع المواقف بحكمة واتزان.

383. الرضا بقضاء الله تعالى يمنحك القوة عند فقد الأثر الدنيوي. قد لا يرى الناس كل ما قدمت، وقد يغيب اسمك عن بعض المشاهد، لكن يكفيك أن يكون عملك خالصًا لله رب العالمين؛ فالأثر الحقيقي لا يُقاس دائمًا بما تراه العيون.

384. السكينة القلبية تبدأ بترك التعلُّق بالأوهام. عش واقعك بشكر، وخذ بالأسباب المتاحة، ولا تُرهق قلبك بما ليس في يدك؛ فالرضا بما قسم الله تعالى يفتح للروح أبوابًا واسعة من الطمأنينة.

385. القرب من الله تعالى يمنحك البصيرة في اختيار الصحبة. فاحرص على من يذكّرك بالله تعالى، ويعينك على الخير، ويصدق معك في النصيحة؛ فالصحبة الصالحة زادٌ يعين الإنسان على الثبات والاستقامة في طريق الحياة.

386. صفاء القلب لله تعالى يورث التوفيق في تربية النفس. وتهذيب النفس يبدأ بصدق النية، ومراجعة الأخطاء، والاعتراف بالتقصير، والسعي إلى الإصلاح؛ وكلما صدق العبد مع الله تعالى، أعانه على إصلاح نفسه وتقويمها.

387. الامتنان لله تعالى يحفظ الروح من السخط على الأقدار. فالشكر لا يعني إنكار الألم، وإنما يعني ألّا يحجب الألم عنك رؤية نعم الله تعالى؛ ومن عوّد لسانه الحمد، وقلبه الرضا، وجد في نفسه قوة تعينه على تجاوز المحن.

388. الوعي بالله تعالى يُهذّب رغبة الانتقاد اللاذع. كن رحيمًا بالناس، وتذكّر أن لكل إنسان ظروفًا قد لا تعرفها، وتجارب لا تراها؛ فالكلمة الطيبة قد تصلح ما لا تصلحه كلمات اللوم والقسوة، والرفق أقرب إلى إصلاح القلوب.

389. السعادة الحقيقية تشرق في القلب عند إغاثة الملهوف. حين تفرّج كربة مكروب، أو تمسح دمعة محتاج، أو تكون سببًا في إدخال السرور على إنسان، تشعر بأن للحياة معنى أعمق من جمع الأشياء؛ فالخير الذي تقدمه للآخرين أثرٌ يبقى، وأجرٌ ترجوه من الله تعالى.

390. قد يبدو بعض الأقدار للإنسان مؤلمًا في بدايته، ثم تكشف الأيام ما فيه من حكم ولطف لا يدركهما في حينهما. فثق بحكمة الله تعالى، وخذ بالأسباب، ثم سلّم أمرك إليه؛ فالتسليم يحرر القلب من عناء محاولة التحكم فيما لا يملك، ويفتح له أبواب الطمأنينة واليقين.

الخاتمة:

جمال التسليم لا يعني أن نتوقف عن السعي، ولا أن نتخلى عن التخطيط والأخذ بالأسباب، بل يعني أن نبذل ما نستطيع، ثم نضع قلوبنا بين يدي الله تعالى، مطمئنين إلى حكمته، راضين بقدره، واثقين بأن اختيار الله تعالى لنا خير من اختيارنا لأنفسنا.

فكم من أمرٍ أرهقنا التفكير فيه، ثم جاءت عاقبته أجمل مما تمنينا، وكم من باب أُغلق في وجوهنا، فكان إغلاقه حمايةً لنا، وكم من تأخير ظنناه حرمانًا، فإذا به يحمل في طياته لطفًا خفيًّا من الله تعالى.

وحين يطمئن القلب إلى تدبير الله تعالى، لا تختفي مشكلات الحياة، ولكن تتغير طريقة مواجهتنا لها؛ فتحل الطمأنينة محل الحيرة، واليقين محل القلق، والثقة محل الخوف، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على مواصلة الطريق دون أن يحمل على قلبه عبء ما لا يملك.

فخطّط، واسعَ، وخذ بالأسباب، واستعن بالله تعالى، ثم فوِّض أمرك إليه؛ فما كتبه الله تعالى لك سيأتيك، وما صرفه عنك فلن يكون لك، وفي كلتا الحالتين حكمة ورحمة.

ولعل أجمل ما يصل إليه القلب أن يقول بصدق وطمأنينة:

يا رب، بذلت ما أستطيع، وفوّضت أمري إليك، فاختر لي، وقدّر لي الخير حيث كان، واجعلني راضيًا بما كتبت لي، مطمئنًا بحكمتك، واثقًا برحمتك.

نلتقي بكم يوم الإثنين القادم بإذن الله تعالى في محطة جديدة من «سلسلة حياتك السعيدة»، نسأل الله تعالى أن يجعل في كلماتها نفعًا، وفي معانيها أثرًا، وفي أيامكم سعادة وطمأنينة وبركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى