خواطر

صدى النعش والرحيل: تأملات في مرآة الموت

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ… يَوْماً عَلَى آلَةِ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
فَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى القُبُورِ جِنَازَةً… فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُولُ
هذان البيتان الخالدان يمثلان النافذة البليغة التي تطل بنا على حقيقة الوجود الكبرى؛ فالموت ليس مجرد حدث عابر في شريط الحياة، بل هو الحقيقة المحتومة التي تتواضع أمام جبروتها كل مظاهر التفاخر الدنيوي. وحين يُحمل الإنسان على الأعناق داخل ذلك الصندوق الخشبي متوجهاً إلى مقره الأخير، تتساقط قشور الغفلة وتتجلى أبعاد الغاية التي من أجلها خلقنا.
إن المشهد المهيب لتشييع الجنازة يحمل في طياته أبلغ دروس الوعظ وأعمقها تأثيرًا في النفس البشرية. فتتساوى الهامات والوجوه أمام عتبة القبر، فلا نجاة لغني بماله، ولا لسلطان بسلطانه؛ فالجميع صائرون إلى تلك الحفرة الضيقة التي لا توحش إلا لمن أوبقها بالذنوب، ولا تؤنس إلا لمن عمرها بالطاعات. ويُعد ذلك الصندوق أو النعش الذي يُقل على الأكتاف رمزًا حقيقيًا لرحلة المفارقة الكبرى، إذ ينطق بصمت بليغ مخبراً كل حيّ بأن الدور آتٍ لا محالة، وبأن السعيد حقاً هو من أعد لهذه اللحظة عدتها من العمل الصالح والخلق الحسن.
وحين يستشعر العبد هذه الحقيقة القرآنية الخالدة القائلة بأن كل نفس ذائقة الموت، تنضبط بوصلة حياته وتتغير أولوياته جذرياً. إن تذكر الموت يطهر القلوب من آدران الحقد والطمع، ويصرف الهمم عن التكالب على حطام الدنيا الفاني، ويوجه الطاقات نحو البناء الأخروي المثمر. فالعمْر أمانة كبرى، والصحة والمال هما رأس مال العبد في سوق الآخرة؛ ومن جعل كسبه حلالاً ونفقه في وجوه البر والتقوى، فقد ظفر بالصفقة الرابحة التي لا تبور يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإن أبقى ما يتركه الإنسان وراءه إذا انقطع عمله هو دعاء صادق من قلب محب، وذكر عطر يتردد في المجالس، وأثر طيب ينتفع به العباد. وحين يغادر المرء هذه الدار مخلفاً وراءه رصيداً من الإحسان، فإنه لا يموت حقاً بل يبقى حياً في ذاكرة الخلود والرحمة الإلهية.
نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا حسن الوعي، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه، وأن يغفر لنا ولجميع موتانا، إنه سميع قريب مجيب الدعاء. آمين يا رب العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى