
الزلزال بين الدنيا والآخرة
✍️🌹🌲✍️🌹🌲✍️🌹🌲✍️🌹🌲✍️
يرسل الله آياتِه للناس حتى ينتبهوا من غفلتهم، ويُقالَوا من عثرتهم، ويعودوا إلى ربهم، ويعملوا لآخرتهم.
يرسل الله آياته للناس حتى يراجعوا أنفسهم، ويستغفروا من ذنبهم، ويتقربوا من خالقهم، ويراجعوا حساباتهم، ويستعدوا للقاء ربهم.
أسباب الزلزال: أسباب طبيعية وأسباب معنوية، كيف؟!
زلزلة الأرض لها أسباب جيولوجية معروفة، والفيضانات لها أسبابها المعلومة، والأعاصير كذلك لها أسبابها المادية، ولكن من الذي أمر الأرض أن تتحرك وتضطرب؟ ومن الذي أذِن للماء أن يزيد عن قدره المعتاد في بعض المناطق؟ ومن الذي أمر الرياح أن تتحرك بتلك السرعة العظيمة؟ أليس الله؟ أليس الذي أرسلها يريد من عباده أن يتضرعوا له، ويستكينوا له لعله يصرف عنهم هذه الآيات؟!
وهناك أسباب أخرى تتعلق بانحراف العباد ومعاصيهم يوضحها رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اتُّخِذَ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مَغرَمًا، وتُعُلِّم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقَّ أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكْرِم الرجل مخافة شره، وظهرت القَينات والمعازف، وشُربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها – فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراءَ، وزلزلة، وخسفًا، ومسخًا، وقذفًا، وآياتٍ تَتَابع كنظامٍ بالٍ قُطع سِلكه فتتابع))؛ [رواه الترمذي].
وعقوبة الله إذا نزلت شملت الصالح والطالح، الصغير والكبير، الذكر والأنثى على حد سواء، ثم يُبعَثون على نياتهم؛ روى الإمام أحمد من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمَّهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا رسول الله، أمَا فيهم يومئذٍ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان))؛ [رواه أحمد].
وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك: “أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدِّثينا عن الزَّلْزَلَةِ؟ فقالت: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم، قال: يا أم المؤمنين، أعذابًا لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا وسخطًا على الكافرين…”؛ [الجواب الكافي بتصرف].
قال قتادة: ” ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ [الإسراء: 59] إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكَّرون، أو يرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه”؛ [الطبري].
وزُلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السُّرُر، فوافق ذلك عبدالله بن عمر وهو يصلي، فلم يدْرِ، قال: فخطب عمر الناس وقال: “لئن عادت لأخرجَنَّ من بين ظهرانيكم، أو قال: إن عادت لا أساكنكم فيها”.
آيات الله يرسلها سواء كانت زلازلَ أو براكينَ، أو عواصف وفيضانات، أو بأسًا من أي نوع؛ بهدف تخويف العباد، وترهيبهم مما يقع منهم من ذنوب ومعاصٍ، ومما علق بهم من حقد وحسد، لعلهم يرجعون إلى ربهم الذي أرسل لهم هذه الآيات، وضربهم بهذه النُّذُرِ، وإن لم يرجعوا فإن هذه علامة قسوة في القلب، وجمود العين، كيف؟!
ولا شك أن ما حصل من الزلازل في هذه الأيام في جهات كثيرة هو من جملة الآيات التي يخوف الله بها سبحانه عباده.
الزلزال من علامات الساعة: كثرة الزلازل من علامات الساعة الصغرى؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوم الساعة حتى يُقبَض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْجُ؛ وهو القتل))؛ [رواه أحمد].
الزلزال ومصائر الأمم: وكل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويسبب لهم أنواعًا من الأذى، كله بأسباب الشرك والمعاصي؛
وعن مصائر الأمم السابقة المكذِّبة والمفسدة؛ قال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].
وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: 61].
فالله تعالى جعل الأرض؛ كما قال ابن كثير رحمه الله “قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها، ولا ترجف بهم؛ فإنها لو كانت كذلك لَما طاب العيش عليها والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك”.
زلزال الآخرة: وهذه الزلازل في الدنيا تذكرنا بزلزال يوم القيامة وأهوال الآخرة، إنها تزلزل الأبدان، وتُشيِّب الولدان، وتُذهِل المراضع، وتُسقِط الحوامل، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد
وزلزال الدنيا لا يوازي زلزال الآخرة، زلزال الآخرة تمور فيه الأرض مورًا، وتلفِظ ما في جَوفِها، وتسير الجبال سيرًا، وتتخلى عما تحتها.
إيجابيات الزلزال:
يرسل الله الآياتِ ليعلم الناس أن التحصن بالقوة من دون الله ضعف، والتحصن بالمال من دون الله فقر، والتحصن بالعزوة من دون الله عزلة، أما التحصن بالله عز وجل فهو القوة والغِنى والعِزوة.
ماذا تفعل إذا وقعت الشدائد؟ يُستحَبُّ عند وقوع الزلزال وغيره من الصواعق والعواصف والآيات العظيمة: التضرع إلى الله تعالى، والإنابة إليه، والإقلاع عن المعاصي، والمبادرة إلى التوبة، والاستغفار، والإلحاح إليه بالدعاء، والذكر، والصدقة، وغيرها من الأسباب التي يُستدْفَع بها العذاب والنِّقَمُ؛
لذلك يجب على جميع المسلمين
التوبة إلى الله سبحانه، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي؛ حتى تحصل لهم العافية والنجاة في الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاء، ويمنحهم كل خير.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاعتبار والاتعاظ بما يُوعَظ به، ونعوذ بالله من قسوة القلب التي تحول دون الفهم عن الله وعن رسوله
بقلم ناجي أبو شنب
عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت




