الرئيسية

((قصة عشق بين الرفوف)) قصة للكاتبة العراقية شيماء حسين

شاعر الأمة محمد ثابت

((قصة عشق بين الرفوف)) قصة للكاتبة العراقية شيماء حسين

في إحدى زوايا المكتبة الوطنية الكبرى، حيث يسكن الهدوء وتغفو الأرواح بين الصفحات، وُلد حبٌّ غريب… حبٌّ لم يكن لأحد أن يتخيله.
لم يكن بين إنسانٍ وإنسان، بل كان بين كتابين، سكن كلاهما رفَّين متقابلين، يحدّقان ببعضهما كل مساء، عندما تخلو المكتبة من الزوّار.
الكتاب الأول، كان ديوانًا من الشعر القديم، مكسوًا بغلافٍ جلديٍّ أخضر، يُدعى رحيق المعاني، يحتفظ برائحة الورق العتيق وكلمات شاعرٍ نُسي اسمه.
أما الثاني، فكان روايةً حديثة، طُبعت منذ بضعة أشهر فقط، بعنوان أوركيدا ابنة الماء والطين، تغلّفها صورة فتاة شبه عارية تحت البحيرة، وتروي قصة حبٍّ نازف وسط اللامبالاة.
لم تكن الرفوف تنطق، لكنها كانت تعرف. كانت رفوف الكتب شهودًا على كل ما يمر بين أوراق هذه المؤلفات: الأشواق، الغيرة، الصمت الطويل، والسكون المعلّق كقطرات الندى.
وذات مساء، بعد إطفاء الأنوار، قال رحيق المعاني للرواية الحديثة:
“كلّ يومٍ، أراكِ من بعيد… فيكِ شيء يشبه الحنين، يشبه القصيدة التي لم أكتبها.”
أجابت أوركيدا بصوتٍ خافت، كأنها تُخاطب نفسها:
“وأنا أقرأك من غلافك، وأشعر أنّي كنتُ سطرًا ناقصًا فيك.”
مرّت الأيام، وازدادت همسات الليل بين الرفوف.
كانت الكتب الأخرى تراقب هذا الحب بدهشة، حتى إن قاموس اللغة العربية الضخم قال ذات مرة:
“لم أرَ في حياتي حبًّا كهذا… لا حروفه متقاربة، ولا زمنه متشابه، لكنه حقيقي.”
لكن الحب لا يخلو من المحن…
جاء يومٌ حمل معه قرارًا بإعادة تنظيم المكتبة.
جاء موظفٌ أمين، وبدأ بنقل الكتب حسب التخصّص والزمن.
رُفع رحيق المعاني إلى الطابق العلويّ مع الشعراء المنسيين، بينما نُقلت أوركيدا ابنة الماء والطين إلى قسم الأدب الحديث.
انفصل الحبيبان، وعمّ الحزن الرفوف.
الكتب الجديدة كانت صاخبة، والرواية لم تعد تنام.
أما الديوان، فصار يغلق أوراقه في منتصف الليل، كأنّه يحتفظ بدمعةٍ في قلبه.
لكن المكتبة، ذلك الكائن الحيّ الكبير، لم تكن لتسمح بفقدان هذا الحب.
في إحدى الليالي، حدث زلزالٌ صغير… خفيف، لكنه كان كافيًا ليسقط عددًا من الكتب سقط رحيق المعاني من الطابق العلوي، تمامًا إلى رفٍّ منخفض حيث كانت أوركيدا تقف وحيدة.
وحين فتحا أعينهما، وجدا بعضهما من جديد.
ضحكت الكتب، وهمس رفُّ الكتب القديم:
“ما كُتب في الورق، لا يمحوه الزمن. وما كُتب في القلب، يجد طريقه دومًا.”
ومنذ ذلك اليوم، وُضع الكتابان جنبًا إلى جنب، لا يفصل بينهما سوى فاصلٍ ورقيٍّ صغير، كأنه قبلةٌ مؤجّلة.
وفي صباحٍ خافت الضوء، دخل رجلٌ مسنّ، يرتدي نظّارةً ذات إطارٍ نحاسي، يحمل بيده دفترَ ملاحظاتٍ جلديًّا قديمًا.
تجوّل بين الرفوف وكأنه يعرف أسرارها، واختار بضعة كتب بعنايةٍ وهدوء.
توقّف فجأة أمام رحيق المعاني وأوركيدا ابنة الماء والطين.
نظر إليهما مطوّلًا، ثم ابتسم ابتسامةً عميقة، كأنّها تحمل أكثر من حنين.
تمتم وهو يخطو مبتعدًا:
حتى الكتب، إن عشقت بصدق، تعيدها الأقدار إلى من تحب.”
ثم مضى، وترك خلفه عبق حكايةٍ لم تُكتب بعد.

بقلم الكاتبة العراقية شيماء حسين


عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى