رواية مواسم الريح للروائي الأمين السعيدي بين متعة النص وروعة القص وعمق المضمون
: تأخذك الرواية منذ الوهلة الأولى إلى مواجهة مكونات الشخصية التونسية و العربية عموما وازمة المثقف العربي تبدأ بتذمرات من رسم الحياة اليومية حين تتغير عقلية المثقف ولا تتغير بيئة الثقافة فيعيش المثقف العربي الإنبتات داخل المجتمع المحلي والغربة المرة خارج الوطن وتنحدر الرواية مع الأمين السعيدي ناقدة لواقع إقتصادي رديء وإجتماعي موسوم بالسوء وواقع سياسي يفتقد إلى الوضوح وعدم اليقين فيعيش فاروق بطل رواية مواسم الريح للروائي الأمين السعيدي رحلة شتم الذات والتنكيل بواقعه في الأحياء الشعبية في العاصمة التونسية حين تعيش الاوساط الشعبية التهميش الثقافي والتخلف الحضاري تجسده تلك الصور الناقدة التي يذكرها الراوي بسرد موجز وعميق ينفذ إلى عالم القطط والحيوانات لينقد واقع الناس في حياتهم …يتأوه فاروق البطل وزوجته حبيبة الطفولة وبنت الاصول تلك الطبيبة الجميلة المحبة لمعالجة الفقراء …صالحة الوفية رمز المرأة العربية الأصيلة يواجهها فاروق المثقف العربي بالخيانة مع جورجينا في أول مناسبة يعيش فيها فاروق وصالحة وابنتهما ياسمين في أمريكا ..تماما كما يخون المثقف العربي لغته ويخجل منها في المؤتمرات الدولية ويستبدلها بفرنسية متلعثمة أو انجليزية مرتبكة …أو كما يخون أساتذة الجامعة المجتمع حين يتعمدون الغياب وانتحال الدروس وتكرار الخصومات التافهة في أروقة الجدران والمباني المتٱكلة فيهجر الطلبة الجامعات وتسكنها الذئاب والبوم وتعيش في ازقتها وساحاتها العنكبوت ….يتعمق الرسم في مواسم الريح للروائي الأمين السعيدي حينما لا تجد الرواية العربية في ازمنة الهزيمة والتراخي قارئا حازما يكشف عن مكونات بكارة المعاني …ينجب فاروق من جورجينا تلك المرأة الفاتنة التي تمتهن السياسة وتبحث عن إقامة العدل في الولايات المتحدة الأمريكية حينما يقع إنتخابها رئيسة لأعظم دولة في ازمنتنا الراهنة يصاب فاروق البطل بالجنون ويعيش بملامح مجهولة في الوطن القبلي بمدينة قرنبالية من محافظة أو ولاية نابل بسبب أسفه على موت صالحة تلك المرأة الوفية وصاحبة الأخلاق الرفيعة وبنت الحسب والنسب حين أعلمتها صديقتها جوليا بخيانة فاروق لها مع جورجينا …في ليلة حزينة جدا شديدة السواد سقطت صالحة جثة هامدة وأخبر عنها بائع الخضر …لقد ماتت صالحة طبيبة الفقراء …في إعلان صريح وفي مأساوية السرد والقص يعلم الأمين السعيدي الجميع شرقا وغربا بموت القيم …وماذا يملك الفقراء في العالم الثالث و الفقراء في أمريكا غير الدفاع عن القيم …ماتت صالحة طبيبة المجتمع وأعلنت نهاية المطاف عندما علمت بخيانة مؤكدة لفاروق حبيب الطفولة الجميلة…وأب إبنتها …إنهارت القيم العربية الأصيلة امام قوة وجدف القيم الامريكية التي تقوم على القوة والبقاء فيها للأقوى …في حين تقوم عواطف صالحة طبيبة المجتمع على العطف وتلطيف جروح الناس وحتى لومها في نفسها لفاروق لم يجعلها تفكر في أذيته فانتهت قصتها …وبقيت ياسمين تعيش مع خالتها في مدينة باجة بالشمال الغربي التونسي لتذهب مع جورجينا التي أصبحت رئيسة للولايات المتحدة الامريكية …التي لا يعرف سرها إلا ذلك الرجل المقامر صاحب البشرة السوداء الذي أخبر فاروق بأن كل شيء مباح في أمريكا إلا ممارسة السياسة و حبيبته جورجينا تمارس السياسة ….ياسمين في نهاية أحداث الرواية تتجه إلى ممارسة مهنة الطب لتكمل رسالة أمها صالحة المطعونة في عنفوان عواطفها حين علمت بخيانة فاروق لها ….رمز المثقف العربي الذي لا يعترف به مجتمعه ولا يقبل به المجتمع الغربي …تتغير الماديات والمظاهر ولا تتغير العقليات والجواهر …ويعجب بياسمين شاب إسمه جاد يعيش في تونس ويتابع أخبارها وهي في أمريكا …. وينهار. الرسم الجاهز والمألوف في الرواية العربية …لينتهي الراوي إلى ان ” عرب هذه الأزمنة لا مجد لهم ” و” يعيشون الذلة وعدم الحظوة لبعدهم عن الثقافة والحضارة “….نتعمق تراجيديا رواية مواسم الريح للأمين السعيدي …حين تحيلك الرواية على زيف العلاقات وغربة المثقف العربي داخل وطنه وخارجها … فالثقافة هي روح المجتمع والمثقف منبوذ متروك …مبتور الجناح لا يملك قوت يومه …ويتردد على موائد اللئام …. وتحيلك الرواية إلى عمق الازمة التي يعيشها المجتمع التونسي الذي لم يتلاءم مع الدكتاتورية قبل الثورة ولم ينجح في ممارسة الحرية ولم يستطع العودة للدكتاتورية أو للحرية …يتنبأ الأمين السعيدي في روايته مواسم الريح بمتغيرات سياسية كبرى ستطال عديد العواصم العالمية وستطال أمريكا نفسها التي ستحكمها إمرأة …ومتغيرات عديدة في بلدان عربية وإسلامية…..ويجسد فاروق البطل الخائن صالحة زوجته أزمة المثقف العربي حين يعيش التهميش والفقر في بداية حياته في بيئته الاولى وعدم الإعتراف به في مجتمعه…ويعيش الغناء والثراء والشهرة في أمريكا فلا يختار من الأمكنة إلا الحانات …حيث يتخلص الناس من رقابة الخطاب ….وتتعرى شخصية المثقف العربي الراهنة التي لا تستطيع مسالمة الواقع المحلي ولا تنجح في أن تجرفها رياح أمريكا في وول ستريت وواشنطن وفلوريدا ….يقود فاروق عقله في تونس الى الهجرة إلى أمريكا ساخطا على ذهنية إجتماعية متخلفة …وتنتهي عودته إلى تونس بعد تجربته في أمريكا به إلى الجنون ….فخسر الدارين الدنيا والأخرة …فلن تسامحه صالحة ولن تغفر له جورجينا التي انجبت من فاروق ولدين الأول بنبي والثاني وهي رئيسة لأمريكا واسمه دانتي ….خسر فاروق رهان الحضارة العربية الإسلامية …ورهان الحضارة الغربية بقيادة أمريكا .
….فاروق رمز المثقف العربي المهمش في مجتمعه وغير المعترف به في الحضارة الغربية….خائن ومجرم حسب وصف الراوي لصالحة رمز المرأة العربية وخائن لقيم جورجينا ومقولاتها رمز المرأة الغربية ……دون مقدمات يتخطى الأمين السعيدي في روايته مواسم الريح حدود الجغرافيا وأزمنة الوعي العربي السابق والحاضر …ليلامس العالمية بشخصية تونسية عربية ….سيكون لهذه الرواية العربية الجديدة ما بعدها في النص والقص والوصف والتشويق والبلاغة وعمق المضمون ….في لحظة خارقة تولد رواية عربية جديدة ….لم نألفها منذ أكثر من قرن ونيف … ندعو القراء والنقاد داخل تونس و خارجها إلى الإهتمام برواية مواسم الريح للأمين السعيدي حتى يفهمون إتجاه الريح شرقا وغربا …..( يتبع ) …..الدكتور بشير العواني رئيس المركز العربي للتربية الوالدية




