الرئيسية

صرخة الحناجر: حين تتحوّل الكلمة إلى فعل

شاعر الأمة محمد ثابت

صرخة الحناجر: حين تتحوّل الكلمة إلى فعل

قصيدة بقلم د. صالح عبّود – قراءة وتحليل د. غزال أبو ريا

يا صرخةَ الحناجرْ
وُلِدْتِ سَخنينيّةً
من قهرِ كلِّ تاجرْ
فأَبشري بخيرٍ
فعُقبى كُلِّ عُسرٍ
يُرامُ كُلُّ ياسِرْ
بلاؤُنا عَظيمٌ
وَعَزْمُنا جَسيمٌ
للبَغيِ والجريمةْ
فَغالبٌ وَكاسِرْ
يا صَرْخَةَ المَوجوعِ
يا صَيْحةَ الممزوعِ
مِنْ صَفحةِ الأمانِ
في آخرِ الزمانِ
وَعَصْرِ كلِّ فاجِرْ
لا تَنْكَسِرْ وَحارِبْ
بِالحَقِّ أَنتَ غالبْ
أشْعَلْتَها شَرارةْ
في شارعٍ وَحارةْ
فَزَلْزَلَتْ ضَمائِرْ
قريبًا سَوفَ نَفْرَحْ
وَغولَنا سَنَطْرَحْ
في مدفَنِ الغِيابْ
وَنَهْزِمُ الخَرابْ
وَنَجبُرُ الخَواطِرْ
يا صرخةَ الحناجرْ
هَيّا اِمْلَئي المنابرْ
يا صرخةَ الحناجرْ

ليست قصيدة «صرخة الحناجر» مجرد نص شعري عاطفي، بل هي بيان وجداني ووطني يعبّر عن لحظة تاريخية يتحوّل فيها الألم الجماعي إلى وعي، والصرخة إلى فعل أخلاقي مقاوم.
منذ السطر الأول، «يا صرخةَ الحناجر»، يضعنا الشاعر أمام صوت جماعي لا يهمس بل يصرخ، ولا يعبّر عن فرد بل عن مجتمع بأكمله.

إن وصف الصرخة بأنها «سخنينيّة» يمنحها بعدًا رمزيًا عميقًا؛ فالمكان هنا ليس جغرافيا فحسب، بل هوية كفاحية وتجربة تاريخية في الصمود والكرامة.
إنها صرخة وُلدت «من قهر كل تاجر»، أي من الظلم والاستغلال، لكنها لا تتوقف عند توصيف الألم، بل تنتقل سريعًا إلى التبشير بالأمل، والتأكيد أن «عقبى كل عسر» هي اليسر.

يعترف الشاعر بثقل البلاء، لكنه في الوقت ذاته يوازيه بعزم جسيم، ليؤكد أن مواجهة البغي والعنف ليست خيارًا، بل واجب أخلاقي.
وتبلغ القصيدة ذروتها القيمية في النداء المباشر:
«لا تنكسر وحارب / بالحق أنت غالب»
وهي رسالة واضحة ترفض الانكسار، وتؤسس لمقاومة واعية، قوامها الحق لا الفوضى.

وتتجلّى براعة الصورة الشعرية في تصوير الفعل الشعبي على أنه شرارة تنطلق من «شارع وحارة»، فتزلزل الضمائر قبل أن تغيّر الواقع.
فالتغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة الشعبية، من اليوميّ البسيط، حين يستيقظ الضمير الجماعي.

أما الخاتمة، فتحمل أفقًا تفاؤليًا واضحًا؛ حيث يُشخّص الشر في صورة «غول» يُطرح في «مدفن الغياب»، لا بوصفه انتقامًا، بل إيذانًا بنهاية الخراب وبداية جبر الخواطر وبناء الإنسان.
ويعود النداء الأخير ليؤكد أن الصرخة لم تعد حبيسة الصدور، بل مطالبة بأن «تملأ المنابر»، أي أن تتحول إلى خطاب عام ومسؤول.

إن قصيدة «صرخة الحناجر» نص يؤمن بدور الكلمة في صناعة الوعي، وبقدرة الصوت الشعبي على مواجهة الظلم حين يتسلّح بالقيم.
إنها قصيدة تُقرأ، وتُتلى، ويُمكن أن تُهتف بها، لأنها تنتمي إلى الناس، وتكتب باسمهم، وتراهن على أن الأمل – مهما طال الغياب – لا يُهزم.

إغلاق