الرئيسيةمقالات

عالم الغيبيات بين الإغواء والوعي: قراءة نقدية لتوقعات 2026

الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

الملخص (Abstract)

يتناول هذا المقال ظاهرة انتشار التوقعات الغيبية في الإعلام العربي المعاصر، كما تبرز في خطابات بعض الشخصيات الإعلامية التي تدّعي القدرة على استشراف المستقبل، مثل ميشال حايك، مايك فغالي، وليلى عبد اللطيف، خصوصًا فيما يتعلق بتوقعات عام 2026. يحلل المقال البنية اللغوية والنفسية والإعلامية لهذه الخطابات، ويفكك أسباب تلقي الجمهور لها بالتصديق أو الاهتمام، ويقارن بين التحليل الواقعي والرمزية الخطابية والإثارة الإعلامية. كما يقدّم إطارًا نقديًا ودينيًا ونفسيًا للتعامل الواعي مع هذه الظاهرة، بما يحفظ التوازن بين حرية التلقي والوعي النقدي، وبين الإيمان بالغيب والتصدي للتضليل المعرفي.

الكلمات المفتاحية: الغيبيات، التوقعات المستقبلية، الإعلام، الوعي النقدي، الرمز، التدين، الخوف الجماعي.

المقدمة

في كل عام، يتصدر المشهد الإعلامي عدد من الشخصيات التي تدّعي القدرة على قراءة المستقبل، وتقدّم توقعات تتعلق بالأحداث السياسية، الاقتصادية، الأمنية، وحتى الكونية. وتزداد كثافة هذا الخطاب كلما اقترب عام جديد، كما هو الحال مع توقعات عام 2026 التي تتراوح بين التحولات الجيوسياسية الكبرى، والكوارث الطبيعية، وظهور كائنات فضائية، واضطرابات كونية.

يثير هذا الخطاب تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه التوقعات، وآليات تأثيرها في وعي الجمهور، وحدود المشروع منها معرفيًا ودينيًا وإعلاميًا. ومن هنا يسعى هذا المقال إلى تحليل هذه الظاهرة تفكيكيًا ونقديًا.

اللغة بين الرمز والإثارة

تعتمد هذه الخطابات على لغة رمزية مشحونة بالإيحاءات الغامضة مثل:

“ذبذبات كونية”، “إشارات من الفضاء”، “كائنات تقترب منا”، وهي عبارات لا تستند إلى مفاهيم علمية دقيقة، بل تُستخدم لإنتاج شعور بالرهبة والغموض، وتحفيز المخيلة الجماعية.

ويمتزج هذا الخطاب غالبًا بتحليل واقعي سطحي للأحداث الجارية، مما يمنحه مظهرًا من المصداقية، ويجعله أكثر قابلية للتصديق والانتشار.

 مستويات الخطاب التنبؤي

يمكن تفكيك التوقعات الغيبية إلى ثلاثة مستويات:

1.التحليل الواقعي: قراءة للتوترات السياسية أو الاقتصادية القائمة.

2.الرمز والإيحاء: استخدام لغة غامضة تفتح المجال لتفسيرات متعددة.

3.الإعلام والإثارة: صياغة خطاب قابل للانتشار السريع عبر العناوين الصادمة.

هذا التداخل بين المستويات يجعل من الصعب على المتلقي التمييز بين ما هو تحليل واقعي وما هو بناء رمزي تخييلي.

 لماذا نصدق الغيبيات؟

ترجع قابلية تصديق هذا الخطاب إلى عدة عوامل نفسية واجتماعية:

•القلق الجماعي والخوف من المستقبل.

•اللغة الغامضة التي تسمح بالإسقاط الشخصي.

•قوة الترويج الإعلامي.

•حاجة الإنسان للمعنى في أوقات الأزمات.

 المنظور الديني والأخلاقي

في الإسلام، الغيب من اختصاص الله وحده، كما في قوله تعالى:

“وَيَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يُظْهِرُهُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا” (الأنعام: 59).

وعليه، فإن الادعاء بمعرفة الغيب أو تقديم توقعات قطعية يُعدّ مخالفًا للعقيدة، بينما يبقى الاطلاع عليها لأغراض النقد أو التحليل أو الفهم الإعلامي أمرًا مشروعًا ما دام منضبطًا بالوعي وعدم التصديق المطلق.

نحو قراءة نقدية واعية

يقترح المقال جملة من الضوابط:

•التحقق من المصدر والدليل.

•التمييز بين التحليل والرمز.

•عدم اتخاذ قرارات حياتية بناءً على توقعات غيبية.

•مقاومة خطاب التخويف والتهويل.

الخلاصة

في عالم يميل إلى الإثارة والقلق، يصبح الوعي النقدي ضرورة معرفية وأخلاقية. فليس كل ما يُقال عن المستقبل معرفة، ولا كل غامض حقيقة، ولا كل مثير دليلًا. إن التوازن بين الإيمان، والعقل، والنقد الإعلامي هو الطريق إلى وعي يحمي الفرد والمجتمع من الوقوع في أسر الوهم المقنّع بلغة المعرفة

إغلاق