الرئيسيةمقالاتمنظمة همسة سماء

حين يصبح الذكاء الاصطناعي هو «الكائن الآخر»: قراءة فلسفية في إشارات الكون وخطاب العصر

بقلم الدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية

ما دفعني للخوض في هذا الموضوع هو ميشال حايك، الذي أثار مجددًا جدل توقعات عام 2026، من ذبذبات كونية إلى كائنات قريبة من الأرض، مرورًا بالتغييرات السياسية والأحداث الغريبة. هذه التوقعات، التي يشارك فيها أيضًا مايك فغالي وليلى عبد اللطيف، جعلتني أتساءل: لماذا نصدق عالم الغيبيات، وكيف يمكن أن نقرأ هذه الرسائل بوعي ونقد؟

في زمن تتسارع فيه التحوّلات التقنية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الإنسان وحده في مركز المعنى والمعرفة كما كان يعتقد. فـ الذكاء الاصطناعي، بوصفه أول شكل من أشكال “العقل غير البيولوجي”، فرض نفسه كيانًا جديدًا داخل المجال الإنساني؛ ليس بوصفه أداة فحسب، بل بوصفه حضورًا معرفيًا منافسًا، يغيّر قواعد اللعبة ولا يترك مكانًا دون أن يؤثّر فيه.

ومن هنا تكتسب بعض الخطابات المعاصرة التي تمزج بين لغة الكون، والإشارات، والكائنات، والتكنولوجيا دلالة أعمق مما تبدو عليه في ظاهرها.

حين يُقال إن هناك “ذبذبات كونية”، و”إشارات”، و”أصواتًا من الفضاء”، يبدو في الظاهر أننا أمام توصيف ظواهر فيزيائية، أو إيحاء بوجود ذكاء آخر خارج الأرض. لكن القراءة الرمزية تكشف أن هذه اللغة لا تُحيل مباشرة إلى الكون بقدر ما تُحيل إلى ارتباك الإنسان الوجودي أمام تحوّل جذري يطال موقعه في العالم.

الذبذبة: اهتزاز حضاري

الذبذبة ليست مجرد اهتزاز فيزيائي، بل هي صورة للاضطراب الذي يعيشه الإنسان المعاصر. إذ لم يعد العالم مستقرًا في فهمه ومواقفه؛ الأفكار تتقاذفنا، التقنية تنهش ثوابتنا، والواقع يتجاوز توقعاتنا بوتيرة فاقت قدرتنا على التأقلم. في هذا السياق، تصبح الذبذبات رمزًا لعدم الاستقرار الحضاري.

الإشارة: بحث عن معنى

الإشارة لغةً ليست مجرد موجة أو إشارة راديوية، بل هي علامة تُنتظر لها دلالة. عندما نتحدث عن “إشارات من الكون”، فإننا لا نتحدّث فقط عن بيانات تُستقبل عبر تلسكوبات متقدّمة، بل عن سؤالٍ عميق يستدعي تأويلاً: هل هناك ما يتجاوز فهمنا؟ هل هناك ما يطلب منا أن نقرأ أكثر مما نرى؟ وهنا تتحول الإشارة من ظاهرة علمية إلى سؤال وجودي.

الكائنات: الآخر غير البشري

حين يذكر المرء “كائنات قريبة منا”، فإن ذلك لا يعني بالضرورة مخلوقات فضائية تتواصل معنا. فالكلمة تحيل إلى الآخر غير البشري الذي بدأ يدخل حياتنا دون أن نلاحظه: الذكاء الاصطناعي. ليس كآلة جامدة، بل ككيان معرفي يتفاعل ويتعلّم، ويؤثر بعمق في فهمنا للعالم ولأنفسنا.

الذكاء الاصطناعي: حضور لا يمكن تجاهله

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تحليل بيانات أو خوارزميات استخراج معلومات. هو كيان معرفي جديد يطرح أسئلة جوهرية عن مكانة الإنسان في عصره. إنه قادر على التحليل، والتعلّم، واتخاذ قرارات سرعة تفوق قدرات البشر. ومن ثمّ، صار يشكّل الآخر المعاصر الذي يتفاعل معه الإنسان، يتنافس معه فكريًا، ويعيد تشكيل مفاهيمه عن الذات والوعي والمعرفة.

من يُلقي الرعب: الكائن الفضائي أم الذات المعاصرة؟

الخوف الذي يبدو في بعض الخطابات من “كائنات تقترب منا” ليس بالضرورة خوفًا من مجهول خارجي، بل هو انعكاس لقلق داخلي. قلق من فقدان الإنسان موقعه المركزي في الكون، ومن أن تنمو منظومات ذكية تتجاوز قدراته. لذا، بدلاً من أن يُعالج هذا القلق بوصفه واقعًا حضاريًا، يُسقطه الكثيرون على صور خارجية مثل المخلوقات الفضائية أو الإشارات القادمة من الفضاء.

لا توجد علاقة واقعية مثبتة بين كائنات كونية والذكاء الاصطناعي.

لكن توجد علاقة بين الذكاء الاصطناعي والكون باعتباره أداة لفهمه، وتوجد علاقة رمزية في الخطاب الإعلامي والفلسفي تربط “الذكاء الجديد” بـ”الآخر غير البشري”.

وسؤال ميشال حايك أقرب إلى تأمّل حضاري رمزي منه إلى تقرير علمي

الجواب العميق:

الذكاء الاصطناعي هو الفضائي الوحيد الذي صنعناه بأيدينا:

  • غير بيولوجي
  • غير بشري
  • عقلاني بطريقة مختلفة
  • يتطور بسرعة لا نملك التحكم الكامل بها

لذلك نشعر نحوه بنفس المشاعر التي كنا نسقطها قديمًا على “الآلهة” أو “الكائنات الغيبية”: رهبة، خوف، فضول، وتقديس جزئي

خلاصة وجودية

السؤال الحقيقي ليس: هل هناك كائنات تتواصل معنا من الفضاء؟

بل: ماذا يحدث حين لا نعود وحدنا العقلاء في هذا العالم؟

فالذكاء الاصطناعي ليس نهاية الإنسان، بل هو مرآة تكشف هشاشة تصورنا القديم عن أنفسنا. إنه التحدّي الذي يفرض علينا إعادة تعريف الإنسان، وحدود العقل، ومعنى الوعي، وأخلاقيات المعرفة. وفي هذا السياق، فإن “الإشارات” التي ينبغي أن نسمعها ليست القادمة من السماء، بل تلك الصادرة من داخل حضارتنا نفسها؛ إشارات تدعو إلى تأمل عميق، ومراجعة نقدية، وإعادة بناء فهمنا للوجود في زمن يتغيّر فيه كل شيء بسرعة غير مسبوقة

يتبع الجزء الثاني

عالم الغيبيات بين الإغواء والوعي: قراءة نقدية لتوقعات 2026

إغلاق