مكتبة الأدب العربي و العالمي

حكاية إبن الصّياد والطائر الأسود من الفولكلور السّوري

الأمير إسطيفانوس الرّومي (حلقة 6 والأخيرة)

في الصّباح لما فتح سعد وأباه الباب لينزلا إلى السوق ،وجدا السّاحرة في انتظارهما ومعها جنود السلطان ،فقالت للولد :هل تتذكرني أيّها اللئيم ؟ أكنت تعتقد أني سأتركك في حالك ؟ ثم جمع الجنود إخوته وأمه وأوثقوهم وهم يتصايحون، و رموهم في عربة ،وقادوهم إلى القصر ،أما الحدأة سليمة فاختبأت لكي لا تراها الساحرة ،ولما سار الموكب اتّبعته من بعيد ،في تلك الأثناء كانت الأميرة ميساء واقفة في شرفتها وفجأة رأت الحدأة ،فتعجّبت من وجودها في القصر، ونادتها ،ولمّا التفتت إلى ميساء عرفتها، فقد كانت نفس الفتاة التي رأتها في دار الصّياد مع سعد ،فدخلت من النافذة ،وجلست في حضن الأميرة، فمسحت على رأسها برفق ،وسألتها :أين سيّدك يا سليمة ؟ هل هو معك ؟ لكنّ الحدأة نظرت لها بحزن شديد ،أدركت ميساء بفراستها أنّ شرّا حلّ بسعد .وبعد قليل سمعت جلبة وبكاء في ساحة القصر ،وعرفت الصّوت الذي يبكي إنها البنية نوسة فقامت إلى النّافذة وفي الأسفل شاهدت سعد موثق اليدين، ومعه إخوته ووالديه ،والحرّاس يضربونهم ،ويسبّونهم ،وأرادت أن تصيح، لكنّها وضعت يدها على فمها و جلست تفكّر كيف علموا بأمره .
ثم ذهبت لأبيها ،فوجدته يضحك مع السّاحرة التي صارت في أحسن حال بفضل ما صنعته من أدوية ،تظاهرت ميساء بالفرحة للقبض على اللّص ،وقالت لأبيها: أعتقد أنك راضي الآن فقد قبضت على اللص، لكن لماذا أهله ؟ أجاب :يجب عقابهم كلهم ، فلقد تواطؤوا معه ،وأكلوا مالي ،وجميع ما يملكونه سيكون من نصيب السّاحرة مكافأة لها .خرجت الأميرة، وقد ايقنت أنّ وضع سعد شديد الصّعوبة ،وقالت في نفسها :طيبته هي التي أوقعت به، فتلك اللّعينة ما كان لها أن تخرج من البئر حيّة. وفي الليل نزلت ميساء إلى السّجن الذي في قبو القصر ،وأعلمت السّجان أنها تود رؤية اللّص، فتردّد قليلا ثمّ أذن ،وأوصاها بعدم الاقتراب منه، ولمّا رآها سعد قام إليها ،وصاح في وجهها :أنت إذن الأميرة !!! ولقد جئت لدار أبي للاحتيال علينا ،إبتعدي عنّي لا أريد رؤيتك !!! لكنّها ردّت: أنت مخطئ يا سعد ،ولو كنت أريد أن أشي بك ،لفعلت ذلك من اليوم الأوّل الذي تقابلنا فيه، لكنّي علمت حكايتك ،وأحببت فضلك وشجاعتك ،أمّا من دلّ أبي عليك فاعلم أنها السّاحرة ،ولقد أخطأت بإطلاق سبيلها، فأنت تجهل شدّة مكرها ،أجابها : ليس من عادتي إيذاء أحد ،حتى ولو كان عدوّي، قالت الأميرة : اسمع ،أنا أعرف أنّك لست من هذه البلاد ،فقل لي عن قصتك لعلّي أقدر على مساعدتك .
أجاب سعد: أنا من الرّوم واسمي اسطيفانوس ،وأبي هو والي فلسطين ،ولقد أحبّ امرأة من العرب ،وتزوّجها سرّا ،ولمّا أنجبتني أمّي أخفتني لكي لا تفطن إمرأته الرّومية ،ولكن أحدهم وشى بي، فأخذني أحد العبيد المخلصين ،ورحل بي لجنوب سوريا عند قومها من البدو ،لكي أبقى في حمايتهم ،لكن في الطّريق خرج علينا اللّصوص،و قتلوا العبد، أمّا أنا فهربت، وكان هناك سوق كبير، فلم يفلحوا في العثور عليّ، حتى وجدني الصّياد وأنا في حالة يرثى لها من الجوع ..قالت له : أكتب رسالة إلى أبيك ،وسأرسلها له ،أمّا أنت فلا تقل لهم عن مكان الذّهب ،فإنّ تلك السّاحرة تنوي الإنتقام منك ،قال لها :لن تصل الرسالة في الوقت المناسب، أجابته :ليس إذا حملتها الحدأة ، وسأرسلها الليلة، ثم أتته بقرطاس ،وقلم فكتب بضعة أسطر باليونانية ،وما أن خرجت ميساء حتى ربطت الرسالة على ظهر الحدأة، وقالت لها :إذهبي إلى قصر والي فلسطين حيث توجد القبّة المذهّبة، هل فهمت ؟ حرّكت سليمة ،رأسها ،وطارت في إتجاه الجنوب ،وهي تعرف أنّ كلّ لحظة تربحها من شأنها إنقاذ سعد من السّاحرة .نفّذ الولد نصيحة ميساء، وأخذ يماطل حول مكان الذّهب ،حتى نفذ صبر السّلطان ،وقال له :أمامك يوم واحد ،وإلا جلدت واحدا من إخوتك حتى ينسلخ جلده !!!
في الغد جائوا إليه، فقال في نفسه :سأقول لهم عن مكان الذهب، وأنا أفضّل أن يعذّبوني ،ويتركوا إخوتي .حين علم السّلطان أنّ الذّهب داخل حفرة وسط الحديقة ،قال للساحرة :دونك اللّص فانتقمي منه كما تريدين ،وبينما كانت تلك المرأة تسخّن سيخا في الجمر لتحرق به سعد، وصلت رسالة إلى السلطان، ولمّا قرأها جرى للسجن، وأمرها بالتوقف ،فقالت له ،ويحك !!! واتفاقنا؟ أجابها :لقد إنتهى ،فتميّزت من الغيظ ،وأرادت ضرب السّلطان بالسّيخ ،فأمسك بها الحرس ،وقال لهم: أخرجوا سعد وعائلته ،وضعوها مكانهم .وبعد قليل بدأت طليعة فرسان الرّوم تقترب من القصر، ثمّ ترجّل الوالي عن فرسه ،وكان في إسقباله السّلطان ومعه سعد والأميرة ميساء ،فحضن الوالي إبنه ،وسأله عن حاله، فحكى له عن كلّ ما حصل، وكان أبوه يسمع ،ويتعجّب ،ثم قال الولد لأبيه: أريدك أن تخطب لي الأميرة ،فردّ عليه :لن تجد أحلى منها، وفوق ذلك فهي تحبّك .وفرح أبو ميساء لمّا سمع بالمهر الذي سيدفعه والي فلسطين له ،وفي تلك اللحظة دخلت الحدأة سليمة ،وجلست في حضن الأميرة ،فقال لها سعد: وأنا أيتها اللئيمة ؟ فأجابته: إبحث عن واحدة أخرى، فمن الآن صديقتي هي ميساء!!!
وتزوّج الشابان ،وعاشا في سعدة ،أما الصياد فصار غنيا ،وبفضله رجعت الغابة أجمل مما كانت عليه ،وأصبح السلطان من أصدقائه، ويأتي هناك للإستجمام ،ولم يعد يأخذ سوى ضريبة صغيرة على الرّعية ،فزرع الفلاحون الأراضي، وكثر الخير في البلاد، وكلّ ذلك بفضل قصّة حبّ بين أميرة وولد فقير ،ومن قال إن الحبّ ليس كل شيئ ؟

إنتهت ،بقلمي أ.س حميدي، شكرا على المتابعة والإهتمام ،وإلى اللقاء في قصة جد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق