ثقافه وفكر حر

من دفتر مذكرات بروفيسور: يوسف مشهراوي״رحلة الألف ميل” صراع البقاء- الجزء الأوّل

بواسطة الاستاذة كفاح زحالقة

1.10.1997
ليلة مُشتعلة

أتطرّقُ في منشوري هذا لحادثةٍ مؤلمة، حدثت بنفس التّاريخ والتّوقيت الذي أسطُرُ فيه الآن هذه الكلمات.
كان ذلك يوم سبت قبل 45 سنة، عندما كنتُ طفلًا ابن الحاديةَ عشرةَ…

في إحدى ليالي الصّيف الحارّةِ، التي لم تتوفّر فيها آنذاك المكيّفات، وهي ذاتُ الليلةِ التي نمتُ فيها بلباس نوم قصير دون غطاءٍ، تحتَ نافذة كبيرةٍ تُعانقُها القُضبان، مفتوحةٍ على مصراعيْها؛ لدخولِ نسيمٍ خفيفٍ أثناء نومٍ عميق… ليلة نمتُ فيها كابنٍ صغيرٍ لوالديْن مُسِنَّيْن، وأُخوة بغُرفةٍ واسعة في بيتٍ عربيّ كبير في حيّ العجمي- يافا.

في تلكَ اللّيلةِ ذهبْتُ للنّومِ فرِحًا مسرورًا، على الرّغمِ من الصّراعِ الاقتصاديّ العائليّ، فضلًا عن أبٍ وأمٍّ يَصِلانِ الليلَ بالنّهارِ لأجل إعالةِ 9 أفراد، والحفاظِ عليهم بأجواءٍ عائليّة دافئة وسعيدة… ليلة كنتُ مُستمتعًا بها أُردّد أغاني عبد الحليم وأمّ كلثوم كطفلٍ في سنوات السّبعين.

*ليلة واحدة قَلَبتْ كياني وجعلَتْني بصراعٍ حقيقيٍّ من أجل البقاء…*

في تلكَ الليلة، قرّر المجرمون الانتقام من أخي البكر سليم(رحمه الله) الذي كان يُحارب تُجّار المخدّرات منذ طفولته، حيثُ قرّروا حرقَ البيتِ الذي نقطُنُهُ.

وصلَ أولئك المجرمون قُربَ منزلنا، تسلّلوا بالقُرب من النّافذة المفتوحةِ التي أنامُ تحتها؛ سكبوا الكثير من الوقود من خلال النّافذة، الأمر الذي جعلني أستيقظ على رائحة البنزين النفّاذة، وشعرتُ حينها كأنّني في حُلْمٍ، أسبحُ في نهرٍ باردٍ أقناءَ نومي…

على حينِ غرّةٍ استيقظتُ أصرُخُ من الذُّعرِ، حيثُ رأيتُ النّارَ المُشتعلةَ وهي في طريقها إليّ وبدأت تلتهمُ جسدي…
خُيِّلَ لي تلكَ اللّحظة؛ وكأنّ ملاكًا لامعًا هبطَ عليّ وأشعل جسدي الصّغير بالنّار…
لم أُدرك في تلك اللحظة أنّني أحترق بالفعل… تلكَ ليلَةٌ أضاءَتْها النّيران التي تصاعدَتْ على طول جسدي من أخمص قدميّ إلى رأسي.
حينها شعرتُ بحاجتي للصّراخ من الخوفِ والذّعرِ وليس من الألم في تلكَ اللحظة… صرختُ صرخةً ما زالت قابعةً في ذهني حتّى اللحظة… تلكَ الصّرخة والصّيحة التي غيّرتْ العالم الذي أعيش فيه…

استيقظَ أخوتي على صرختي في حالةٍ من الذّعرِ الشّديد، حيث لم يُدركوا أنني كنتُ أحترق حتّى الموت تقريبًا أمام أعينهم.
هي ذاتُ الصّرخةِ التي دفعَتْ أخي أحمد إلى محاولةِ إخمادِ النّار المشتعلة على جسدي وسريري ببطّانيّة وعِناقٍ ما زِلتُ أشعُرُ به حتّى يومنا هذا…
عِناق الأخ الأكبر الذي أنقذني من النّيران التي غيّرَتْ حياتي، ومن ثمّ تحوّل كلّ شيء إلى ظلام وصمتٍ مؤقّت.

خيَّمَ صمتٌ وظلامٌ قبل أن تهُبّ العاصفة في المنزل.
هبّت العاصفة حين بدأ الجميعُ يتراكضُ؛ فسَمِعْتُ في الخلفيّةِ الأصوات التي تبحث عن مفاتيح سيّارة والدي؛ ليقوموا بنقلي للمشفى، ونحنُ جميعًا بحالةٍ من الذّعر…

قاموا برفع جسدي وهم يُهرولون دون أن أتحكّم بجسدي وتنفّسي حيثُ فقدتُ السيطرة عليهما…
لم أعد أستطيع التقاط أنفاسي حتى حتّى عندما وضعوا لي قناع الأوكسجين في غرفة الطّوارىء في المشفى التاريخيّ؛ الذي تمّ تدميره منذ ذلك الحين (دونولو الطّبيب- דונולו הרופא) إذ أُقيمَ مكانه موقف المُشاهد (חניון הצופה) على بحر يافا.

نَفَسٌ تلوَ الآخر… وبالكادِ ألتَقِطُ نفَسِي، وفي اللحظةِ ذاتها أُصغي للفريقِ الطبيّ الذي قرّر أنّه لا يستطيعُ إنقاذي وأنّه يجب إحالتي بسيّارةِ إسعافٍ لمشفى بلينسون…
وفعلًا تمّ ذلك، نُقِلْتُ لسيّارةِ الإسعافِ وعلى الرّغم من ذلك؛ ما زالَ التقاطُ النَّفَسِ صعْبًا…

أتذكّر في الخلفيّة كيف وضعوني في جناحٍ مظلم ومغلق، عَنبرٍ للحروق تمّ فتحه خصّيصًا من أجلي؛ لأنه لم يكن هناك مرضى حروق آخرون.
في تلكَ الأثناء بدأتُ أفقدُ وعيي… ولا أعرفُ كيف يعملُ الفريقُ الطبيّ بجِدٍّ في العمليّةِ الأولى لإنقاذ حياتي من أصل عشر عمليّات حتّى أتمكّن من النّجاةِ والعودَةِ للحياةِ.

هذه المرحلة كانت نقطة التحوُّل، وبدأْتُ حياةً مختلفةً أُصارِعُ فيها البقاء على قيد الحياةِ في نعومة أظفاري، بدلًا من حياة طفولةٍ هانئة وسعيدة…
استمرّ وجودي بقسم الحروقِ في مستشفى بلينسون أكثر من ثلاثةِ أشهر…

هذه هي البداية فقط…
وللحديثِ تتِمّة…
يتبع الجزء الثّاني…

بروفيسور: يوسف مشهراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد + 13 =

إغلاق