اقلام حرة

أثر تغير النظام الدولي متعدد الأقطاب على الوجود الإسرائيلي.

بقلم: تمارا حداد.
يُجسد الصراع الروسي_ الأوكراني التنافس الحقيقي بين الدول الصاعدة (أمريكا_ روسيا) حيث تُعتبر أوكرانيا الحليف الأساسي لأميركا والغرب في منطقة شرق أوروبا، وبالتالي يُمثل الصراع الروسي_ الأُوكراني صراعاً بين القوى الصاعدة والهابطة في النظام الدولي، حيث أن أبرز محددات هذا الصراع هو صراعاً دينياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، بحيث إذا نجحت روسيا في تخطي العقوبات المفروضة عليها من قبل أميركا ودول الغرب واستطاعت السيطرة على أوكرانيا بمفاصلها التي تراها روسيا مهمة لها ولأمنها الاستراتيجي والقومي فإن هذا الأمر سينعكس على وزن أميركا حيث أنه سوف تتراجع وستُخفق في إقناع العالم بوجودها المتفرد والمسيطر الوحيد على العالم وستفقد تحالفاتها في كل من أوروبا وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وهو مؤشر مستقبلي لفقدان وتراجع أميركا على عدة مستويات منها الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية ومن هنا سيتحول العالم أتوماتيكياً إلى نظاماً دولياً مُتعدد الأقطاب تخسر فيه أميركا وضعها المتفرد الذي دام سنوات طوال.
فهذا التراجع الأمريكي وظهور قوى أخرى في العالم يُثير تساؤلاً ما أثر ظهور النظام الدولي المتعدد الأقطاب على وجود الوكيل الرسمي لأميركا والمتمثل باسرائيل؟ وهل سيبقى الشرطي في منطقة الشرق الأوسط بقوته الحالية نتجية استمرار الدعم الأميركي بمستوياته المالي والعسكري واللوجستي المتواصل أم سيتراجع هذا الشرطي الرسمي نتجية ظهور قوة أخرى وتغير موازين القوى في النظام العالمي؟
هذا التساؤل بحاجة لمعرفة تاريخ العلاقة الاسرائيلية_الروسية فعلاقة اسرائيل وروسيا هي علاقة تاريخية حيث لعب اليهود في روسيا على تعزيز هجرتهم نحو فلسطين منذ عهد “يلتسن” وازداد ذلك في عهد “بوتين”، وتعتبر روسيا من أوائل الدول التي اعترفت باسرائيل ورغم الخلافات في بعض الأوقات بين الدولتين حول نقاط بين اسرائيل وروسيا إلا أن العلاقات تعود مرة اخرى للاستمرار سواء الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية، حيث استمر هجرة ما يقارب مليون ونصف روسي إلى فلسطين وهذا يشير إلى أن اغلب المتواجدين داخل الكيان الصهيوني هم من اليهود حملة الجنسية الروسية، وهناك عامل قوي عزز العلاقة بين روسيا واسرئيل وهو أن اللغة الثالثة في اسرائيل هي اللغة الروسية حيث يحافظ المجتمع الناطق بالروسية ” الروس في اسرائيل” على تواصل مع روسيا بشكل دائم وهذا ما صرح به بوتين في أكثر من خطاب إعلامي “أن اسرائيل هي دولة ناطقة بالروسية”.
وتعتبر اسرائيل من الدول التي جذبت اليهود من كافة اصقاع العالم من خلال استجلاب العاطفة لديهم من خلال حادثة “الهولوكوست” ومحرقة اليهود من قبل الحركة النازية حيث كانت هذه الرواية السبيل الوحيد لتجميع يهود العالم إلى فلسطين بغض النظر عن صدق الرواية، وكان من ضمنهم اليهود الذي كانوا في أوروبا وشرق أوروبا وحتى في روسيا حيث وصل عدد المهاجرين من يهود أوروبا قرابة اربعة ملايين يهودي وبتشجيع من روسيا ودول اخرى لإرساء دولة اسرائيل ولا ننسى أن روسيا كانت من الدول الاوائل التي اعترفت ضمنياً بوجود اسرائيل والعديد من الخطابات الروسية التي أشارت على الحفاظ على أمن الاسرائيليين والوصول إلى الحل السلمي بين الجانب الفلسطيني والاسرائيلي.
فإذا تحول النظام الدولي إلى متعدد الأقطاب وانتهت دولة اسرائيل فان هؤلاء المهاجرين سيعودون إلى بلادهم فلا اعتقد ان روسيا ستقبل بذلك ولا حتى الغرب أو اميركا ذاتها، كما أن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تم انشاء مجلس الأمن وعضويته خمس من الأعضاء الدائمين وهم روسيا وفرنسا وبريطانيا واميركا والصين كان الاتفاق بينهم على إنشاء جسم وكيان يعمل على تفتيت الأمة العربية لان العرب إذا توحدوا فإن ذلك سيكون ضد مصالح الغرب حول تقسيم منطقة الشرق الاوسط إلى مناطق نفوذ بين تلك الدول دائمة العضوية فهم الذين يخططون سياسات العالم ناهيك عن الأيدي الخفية التي تُحرك العالم وتحرك تلك الدول للاستمرار في الاستعمار القديم الحديث للدول ذات الثروات الطائلة بالتحديد في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا.
كما أن العلاقة بين اسرائيل وروسيا يربطها مهد التكنولوجيا الحديثة المتطورة وبينهما اتفاقيات تم التوقيع عليها لعدة سنوات ناهيك عن بيع الأدوات والترسانة العسكرية والصواريخ فرط الصوت والتي لم يصنعها سوى دولتين روسيا والصين وهو ما عجزت عنه واشنطن، فالعلاقات التجارية والاقتصادية في المجالات الهايتك والمجال التكنولوجي والسياحة والمجالات العسكرية لا تتوقف بين اسرائيل وروسيا، وهناك سببا آخر لعدم قطع العلاقات الروسية _ الاسرائيلية وخاصة ان اسرائيل تعتمد على روسيا في شراء سلع استراتيجية مثل القمح والحديد والالمنيوم والصلب كما هو الحال بالنسبة لاغلب الدول العربية.
وكذا تفوق الصين على نظيرتها الغربية في تطوير واستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس والسادس من الشبكات والذكاء الاصطناعي وهو الامر الذي بحاجة اليه اسرائيل، لذا العلاقة ليست فقط بين روسيا واسرائيل وانما العلاقة امتدت بشكل واسع بين الصين واسرائيل، فلذا الضرر اكبر إذا تم ازاحة اسرائيل من قبل دول دائمة العضوية سيتم خسارتهم نتجية الاتفاقيات الموقعة بينهم، لذا نجد أن العالم لا مفر له سوى اللجوء الى لغة المصالح والاحتفاظ بوجود الشرطي الحامي لأسرار دول الأعضاء الخمسة والاحتفاظ بالعلاقات القوية سواء الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.
كما أن الصين واسرائيل العلاقة بينهما قوية بالتحديد في المنحى الاقتصادية وتصدير البضائع الصينية وغيرها لمناطق السلطة الفلسطينية أو ادخالها لغزة كون اسرائيل المسيطر الوحيد على المعابر التجارية ناهيك عن تصديرها لمنطقة الشرق الاوسط، وكما ان الصين غير معنية بتضييق العلاقة مع اسرائيل حيث يتواجد داخل الكيان الصيهوني قواعد استخباراتية لتجميع المعلومات عن منطقة الشرق الاوسط وبالتحديد منطقة البحر الاحمر وأفريقيا والصين معنية تماماً في تلك المعلومات وبالتحديد أن الصين تملك قواعد عسكرية في البحر الاحمر قبالة الصومال وغيرها الأمر الذي بحاجة لتنسيق أمني وعسكري واقتصادي بين الصين واسرائيل.
فلا اعتقد من هذه الايضاحات البسيطة بأن ظهور عالم متعدد الأقطاب سيؤدي إلى إنهاء اسرائيل ناهيك أنها وقفت على الحياد في بداية الحرب الاوكرانية الروسية ولكن تصدعت بعد تصريحات وزير الخارجية الروسية لافروف الذي تحدث عن أصول هتلر اليهودية لكن في نهاية المطاف تم حل المشكلة بطريقة دوبلماسية. فاسرائيل غير معنية برفع غضب روسيا بالتحديد ان سوريا مليئة بالقواعد الايرانية فابقاء العلاقة الروسية الاسرائيلية قوية من أجل الاستمرار في التنسيق الامني بينهما لعمل توازن للتواجد الايراني في سوريا الذي لا يُحدث ضرراً لاسرائيل.
فلذا إلغاء الوجود الاسرائيلي وإيجاد إطار وشرطي بديل قوي بحاجة إلى وقت وجهد طويل كون الأمر بحاجة سنوات عديدة لايجاد بديل عن اسرائيل ليبقى الشرخ بين قارتي آسيا وافريقيا، كما ان اسرائيل لديها متخصصين في الشأن الخارجي “مجلس الامن القومي الاسرائيلي” المُشكل من المستوى الأعلى للمجلس وخبراء وعسكريين ومحللين ومخططين استراتيجيين ومسؤولي الاجهزة الاستخباراتية والامنية هذا المجلس يسعى لوضع خيار اذا تحول النظام الدولي لمتعدد الاقطاب يكون لصالحها وعدم الاضرار في وجودها.
أما سياسة روسيا فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني_ الاسرائيلي ستبقى متوازنة أو براغماتية حيث تحافظ على علاقة متينة مع الجهاد الاسلامي وحماس وفتح وفي الوقت نفسه مع اسرائيل، وتحاول روسيا بعد الحرب الروسية_ الاوكرانية بحشد القوى الاقليمية والقوى التي تملك ترسانة عسكرية الى صفها تستثمرها عند الحاجة بالتحديد اذا قامت اسرائيل بالوقوف ضد روسيا.
ولكن الجانب الفلسطيني عليه استثمار واقع النظام الدولي متعدد الاقطاب ولكن هذا الامر بحاجة الى وحدة وانهاء الانقسام فتعدد الاقطاب مفيد للدول والحكومات القوية وليس للجانب الضعيف، فيستطيع الجانب الفلسطيني توظيف النظام الدولي متعدد الاقطاب لصالحه بالتحديد ان قطاع غزة مليئ بالغاز بالتحديد اذا سمحت لروسيا بالتنقيب من قبل شركات روسية والمحاولة لكسر حصار غزة عبر السفن الروسية، وروسيا ستساعد لتقديم الدعم الصاروخي للمقاومة وسيكون ذلك ورقة لصالحها عند الحاجة ولصالح الجانب الفلسطيني لوقف التحديات من قبل الكيان الصيهوني ومصلحة لروسيا وتحالفاتها اذا وقفت اسرائيل ضد روسيا ومصالحها في اي بقعة تتواجد فيها القواعد الروسية بالتحديد في شرق أوروبا.
من هنا ان النظام الدولي متعدد الاقطاب لن يؤثر على وجود اسرائيل كون لغة المصالح هي التي تتحكم في طريقة تعامل الدول مع بعضها البعض، ولكن في نهاية المطاف فان الجانب الفلسطيني اذا بقي ضعيفا ولم يتوحد فان العالم لن يتعامل معه الا بحال تثبيت وجوده الفعلي على ارض الواقع من خلال البدء في انهاء الانقسام والسير في التداول السلمي وتثبيت اركان العملية الديمقراطية كوضع طبيعي ليرى العالم وجهة التغيير الفعلي من قبل الجانب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنا عشر − 3 =

إغلاق