ثقافه وفكر حر

مسكرة في وجهي …لكن ما زال في النفس رضا وبذل وعمل وقناعة )

بقلم : عائشة الخواجا الرازم

إلى أين يا عائشة؟

وإلى أين أيها الإنسان فينا ؟
أي نخبيء سلة منتوج الحياة التي نعيشها ؟؟؟ ولماذا نجمعها ونحوصلها في مكان سري خفي لنحصل على غيرها ونبدأ من جديد دون التوقف والتأمل والتمتع بمحصول هذه السلة ؟؟؟
وهل حقاً نشعر بمعنى وقيمة ما بذلنا من طاقة وزمن وعمل لنحصد النتيجة الجميلة ؟؟؟؟
… غريب أنت أيها الإنسان …
تدور مثل الدولاب وتنشط وتلهث وتسخن وتدعو الله بانتظار بشرى ثمار عملك وزمنك الثمين … وعند نضوج الثمار تقطفها كأنها تحصيل حاصل ، ولا تجلس معها تتلمس وتبتسم وتسعد بأثر نعمة الله عليك … ولا تسمو بحمل سلة إنتاج طموحك وعظمة الأمل والانتظار فيها لتعطي نفسك الشقية حبة فرح وقناعة !
إني أراك أيها الإنسان عجولاً حتى في التقاط فاكهة تعبك … أراك ماكنة وآلة أستهلاكية تتسارع بقطف خيرات جهدك ودموع عينينك وسهرك ووقوفك العسير .
أراك عجولاً متسرعاً بوضع روعة خيرات الله من كل صنف في مخزن قصي تدفن مفتاحه وتنشغل ببناء مخزن جديد لفضل الله عليك مهمشاً ما أنجزته … وتتعدد المفاتيح فتنسى أي مستودع يحتضن ذاك الثمر الذي انتظرته طويلا وشقيت من أجله .
أيها الإنسان … أراك وحسرتي فوقك تترامى … أراك مدحلة تتسارع في طريق حياتك تعبد وتفتح الأتوسترادات بحلم الراحة في مركبة العمر !!! ولكني أراك ثقيلاً على الطريق وعلى نفسك …
تدوس الطرقات ولا تشفق على الأرض اللينة تحتك ….
تمضي إلى الأمام مثل مدحلة ، ولا تنظر خلفك ..وكل ما تفعله أنك تفكر بدفع وقيادة تلك المدحلة لتدحل أطول مسافة تحت ثقل توقعاتك …
إنك لا تدرك أن مدحلتك تمضي مخلفة حصاد عمرك وراءك … فأنت منهمك بفكرة الوصول ومشاهدة المستقبلين لماراثون شقائك وجهدك وحلمك … ولا تنظر إلى الوراء لتتأمل كم شجيرة خضراء مررت عليها دون أن تتفيأ ظلالها ودون أن تحمد وتشكر وتبتسم بمتعة أثر نعمة الله على عبده !!!
أيها الإنسان … كم من بساتين مثمرة زرعت يداك … وكم من حدائق غناء سقيتها ورويتها بلهفة الدعاء وحين حصلت عليها هيمنت عليك جلبة طاحونة تخزينها وجني محصولها بكل الطرق ، حتى ولو بالهز والضرب بعصي جد الزيتون القاسية ؟؟؟
فهامت نفسك طمعاً بحديقة جديدة وبستان آخر …؟ تفعل ذلك وأنت تراكم وتجمع المحاصيل وتعدد وتخزن ، ولا تتأمل .. فلا وقت لديك لتأمل النعم التي لا تعد ولا تحصى !!!
فكم من ولد منحك الله اعتبرته تحصيل حاصل ؟
وكم من طير رفرف حولك في فناء عمرك وغرد وأنت تجلس تعد العدة ليوم لمحصول آخر واعتبرت تغريد الطير تحصيل حاصل ؟؟ وكم من كوب ماء رشفته وأنت على عجل تتسارع الخطى لكوب آخر واحتسبت كوب الماء الأول تحصيل حاصل ؟؟
وكم من قمر أضاء عليك بين الغيوم وسواد الليل البهيم واعتبرته تحصيل حاصل ؟؟ وكم من فجر تشقق بنسمات الرحمة مع الشمس وأشحت بوجهك عنه كأنك لا تراه منتظرا فجرا آخر ولا تكتسي بغلالة نوره ؟؟؟
مستعجل أيها الإنسان ؟؟؟
ملهوف ؟ متطاير الشعر والعقيرة تدعس على وقود مدحلتك صارخا هيا …هيا إلى الأمام … ..
إلى أين وإلى أي مقر يا متعب البصيرة ؟؟ إلى أي مخزن تطير لتبني سقفه وجدرانه المحصنة لتخبئة فرحك ونعمتك وسلة ثمار حياتك ؟؟؟ أيها الإنسان أنت تصنع المفاتيح وتوفر الزرافيل لمخازن عمرك وتربت على أكتافها قائلاً : هنيهات وسأعود لك أو بضعة أيام بعد إنجاز حديقة أخرى وملء سلة أخرى …هامسا وصارخا : سأعود إليك يا ثمار طريقي ..وقد تكاثرت السلال والثمر … تغادرها بجفاف كأنك تضع حجراً جامداً سينتظر … منتظراً وحاسباً حسابك بأنك ستعود إليها في مساحات التوفير …
أيها الإنسان … أيها الراكض المستعجل المتسارع العجول المشيد لمخازن البذل والشقاء والعطاء … أنت تخفي منتوج وسلال ثمار عمرك في مخازن المحطات السريعة ….تعدو وتركض ولا تتلفت إليها إلا لتحصيها وتحشد أرقام مفاتيحها والعناوين تضيع من ورائك ..وحين تحصل على سلال جديدة لامعة الفاكهة طازجة تناشدك بالتمتع بها وإسعاد من حولك … تجد نفسك قمطريراُ تستكثر إظهار السلة للآخرين ولأحبتك …وحتى نفسك … تعمد لتخزينها ولا تعلم أيضاً أين خبأت المفاتيح ؟؟؟
أيها الإنسان تمهل وتأمل وتمتع وابتسم واشكر الله …وأسعد من حولك ببعض ثمار طريقك وحراثة عمرك … لعلهم يتعلمون من جمال سلال بساتينك …علم من تراهم على جانبي طريقك حركات التلويح لهم بتحية الابتسامة المغموسة بحفنات من قمح شكر الله ..عساهم يبذرونها كما تنثرها لجانبي الطريق من كفيك …
علمهم الشكر والتمتع بنعمة المخزون المنثور المحرر من رطوبة الإغلاق وبرودة المشاعر وسخونة أنفاس الحياة … أسرع بمدحلتك وارجع إلى الوراء …وعبد طريقك مرة ثانية ..سترى ما لم يخطر في بالك من زروع واخضرار وزهر وجداول كوثر بعد بذرك لجانبي الطريق للقاصي والداني للمحسن والمسيء … للضاحك عليك والمستهزيء …لا تتردد …
لا تخف …لا تخجل …لا تحزن …حينما ينظرون نحوك مستغربين متهامسين : أهبل .. بسيط … ! فالحياة مهما حملت من تلال أتراح وأفراح … ففيها أحواض تشرق عليها الشمس بهدوء ويهب عليها النسيم بهدوء وتغرد لها الطيور … الحياة ليست مدحلة طرقات ومطحنة … فكم حولت الحياة وأيام عمرك لمدحلة ….فالكون هو طريق العمر أيها الإنسان … والكون أنت …خلقه العلي العظيم في ستة أيام والعمر عنصر الكون المضيء بمزيج من فرح وعطاء وترح وشقاء … وعمرك وعمر من حولك هو محطة لقناعة وشكر وقطف ثمار تحمد الله عليها وتدرك قيمتها …ولا تدرك قيمتها إلا بالإمساك وإعلانها والتمتع بها وشكر الله على نعمتها …
أيها الإنسان … ما أروع أن تجمع شتات نفسك مع سلال حصادك في كل موسم حتى لو كان الموسم لحيظة ريح هبوب أو قطرة مطر على جبينك …
أيها الإنسان لا تصرف النظر وتتجاوز باقات وسلال المحصول التي تهمي عليك … أعرف أنك وضعتها في مخزن تعتقد أنك خزنتها وجمعتها لتعود إلها في الوقت المناسب ..فهيهات يا أيها ألإنسان أن يأتي الوقت المناسب الذي تراهن عليه !!!
تمتع وابتسم وتأمل وأمسك باللحظة مع أهلك وأحبائك وشاركهم سلالك …ولا تغلق مخزناً على تلك السلال وتدفن المفاتيح … فالثمار تتلف وتذهب خليط الأرض والتراب ، والمفاتيح لن تجدي نفعاً عند نبش مخازن العمر …والسلال مهما احتوت من ورود وفاكهة وشذرات قوس قزح ، هي من حق عمرك ومن أحاط بعمرك …
فالسلال المخزونة المخبأة ليوم سيأتي دون أن تتعرف عليها ربما لن تتذوقها لا أنت ولا أحباؤك … ولا تنس أن في ميزان هينهات عمرك ثمناً عظيماً من الأمانات التي منحك الله إياها ، فتقدم لنفسك ونفوس دمك وحديقة خضرتك سعيداً راضياً لأحبائك متمهلاً ، متأملاً بهم وبوجوههم قبل أن تلهث من جديد نحو مخزن واحد !!!! أيها الإنسان … أيها الإنسان …!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 8 =

إغلاق