مقالات

تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”.. هكذا تنبأ إدوارد سعيد بمستقبل إسرائيل وفلسطين

نشرت مجلة فورين بوليسي (Foreign policy) الأميركية مقالا تناول فيه كاتبه حياة وأعمال المفكر الأميركي ذي الأصول الفلسطينية إدوارد سعيد، والتي سلط فيها الضوء على “الفشل الذريع” للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

وأشار أمير حسين راجي -وهو صحفي مقيم بالقاهرة- في مقاله إلى أن إدوارد سعيد انتقد ما وصفه بخداع النفس، وأوجه القصور والتحيز الكامن وراء السياسة الخارجية الأميركية.

تمثيلية السلام

واعتبر راجي أن سعيد ظل طوال تسعينيات القرن الماضي يحذر مما سماها “تمثيلية” عملية السلام في الشرق الأوسط التي تلعب فيها الولايات المتحدة دور الوسيط.

وأضاف الكاتب أن المفكر الفلسطيني الأصل انتابه اليأس مع دنو أجله من حدوث أي تغيير في الوضع “المأساوي” للفلسطينيين، إثر تنازل قيادتهم عن أي مكاسب جنوها من نضالهم لنيل تقرير المصير، بتوقيعها على معاهدة أوسلو التي وصفها سعيد بأنها “وثيقة تنازل فلسطيني، فرساي فلسطينية”، في إشارة إلى المعاهدة الشهيرة بين الحلفاء وألمانيا التي أسدلت الستار من جانب القانون الدولي على أحداث الحرب العالمية الأولى.

وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في فلسطين وإسرائيل -بحسب راجي- أن إدوارد سعيد كان من القلائل الذين وضعوا هذه المسألة في إطارها الصحيح.

وقد بدأت وسائل الإعلام الأميركية تستوعب مواقفه تلك بعد أن كانت تعتبرها متطرفة في حينها، ربما من منطلق وعيه العميق بالتاريخ الذي تجلى في كتاباته.

حرب تصورات وأفكار

إن الصراع في فلسطين -كما فهمه إدوارد سعيد بوضوح- هو “حرب تصورات وأفكار” بقدر ما هو مسألة تتعلق بالسياسات. وقد كان سعيد على مدى عقدين من الزمان الناطق الأكثر نفوذا بلسان الفلسطينيين في الولايات المتحدة، وكان ذاك موقفا وحيدا وشجاعا في وقت كان فيه مجرد التفوه بكلمة “فلسطين” يعد استفزازا سياسيا، بحسب الكاتب.

واعتبر راجي في مقاله بفورين بوليسي أن “تساهل” الجمهور الأميركي كان أكبر عون للتأثير الإسرائيلي على السياسة الأميركية، وهنا فقط سجل سعيد أعظم انتصاراته بفضل جزالة منطقه، حتى أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، حذرت أنصارها من أن التصدي لسعيد “سيجعلك تبدو سيئا ليس إلا”.

واليوم ليس بمقدور قادة إسرائيل اعتبار رضا الجماهير والخطاب السياسي في الولايات المتحدة -أو ما يسميه إدوارد سعيد “انتصار الصهيونية شبه التام”- من الأمور المسلم بها، وفقا للمقال الذي يرى كاتبه أن الفضل في ذلك التحول يعود بدرجة كبيرة إلى الإرث الذي تركه إدوارد سعيد.

ثورة “الاستشراق”

لقد كان سعيد ناشطا وباحثا وكاتب مذكرات وناقدا أدبيا وموسيقيا، وتعامل كل طلاب العلوم الإنسانية في الولايات المتحدة مع إرثه، ومهد كتابه “الاستشراق” الطريق لثورة في دراسة الأدب والتاريخ والسياسة.

ووصف راجي كتاب الاستشراق بأنه “الأكثر مبيعا على مستوى الباحثين والعلماء”، إذ دل على أن الدراسات الإنسانية الأوروبية لعبت دورا في توطيد مظالم الإمبريالية العالمية.

وفي كتابه تحت عنوان “أمكنة العقل: حياة إدوارد سعيد” -وهو أول ترجمة كبيرة لحياة المفكر الفلسطيني الأصل بعد وفاته في 2003- قال مؤلفه تيموثي برينان إن سعيدا استخدم كتابه “الاستشراق” في التصدي للصورة الجائرة الشائعة في الإعلام الأميركي عن فلسطين.

وانتهى الأمر بسعيد إلى سبر أغوار تاريخ الخطاب الأدبي والاستعماري الغربي لفهم إلى أي مدى تمكن المثقفون المحدثون من تصنيف أحداث مثل التطهير العرقي في فلسطين عام 1948، أو دولة إسرائيل التمييزية، تحت عنوان “صراع الشرق الأوسط” البراق.

ويوضح برينان في كتابه أن “عمل سعيد السياسي وجد متكأه في النقد الأدبي”. ويرى أمير راجي أن هذا الوصف صحيح تماما، ذلك لأن إدوارد سعيد حلّل وحرّر وساعد في ترجمة العديد من النصوص الخاصة بالحراك الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بما في ذلك أول خطاب ألقاه الزعيم ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة.

وما لبث سعيد أن أصبح “مفكرا متمرسا مناهضا للاستعمار”، وإلى جانب ذلك -يضيف الكاتب- يجب أن تُخلد ذكراه بوصفه مفكرا في الشؤون الخارجية الأميركية، إلى جانب إنجازاته بوصفه باحثا أدبيا وممثلا للحراك الفلسطيني. ولعل هذا الادعاء اقترب برينان من التوصل إليه، لكنه لم يفصح عنه بشكل قاطع، بحسب الكاتب.

وبرباطة جأش مذهلة -على حد وصف راجي- رفض سعيد معاهدة أوسلو لعام 1993، وعملية سلام الشرق الأوسط التي تلت ذلك، والتي كانت أحد المسارح الرئيسية للدبلوماسية الأميركية في ذلك “الزمن الجميل الذي سبق 11 سبتمبر/أيلول”، في إشارة إلى الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن عام 2001.

أما مقالاته ومقابلاته في السنوات التي تلت ذلك، فيمكن أن تستوعبها 5 مجلدات، وتعد بعضها من بين أقوى كتاباته وأطولها ديمومة وأكثرها استبصارا للمستقبل.

وقد وصف إدوارد سعيد الاحتجاجات والإضرابات وحركات المقاطعة إبان الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات، بأنها “الثورة المناهضة للاستعمار الأكثر إثارة للإعجاب وانضباطا بكل تأكيد في هذا القرن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

إغلاق