الرئيسيةمقالات

«مانويل حساسيان… يغادر المنصب ويبقى سفيرًا لفلسطين

عندما ينتصر الإنسان على فكرة التقاعد بقلم: الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

في عالمٍ اعتاد أن يربط العطاء بالمنصب، تأتي بعض الشخصيات لتكسر هذه القاعدة، وتثبت أن الرسالة أكبر من الوظيفة، وأن الانتماء الحقيقي للوطن لا تحدّه مدة خدمة ولا قرار تقاعد. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم البروفيسور مانويل حساسيان، الذي أنهى مهمته سفيرًا لدولة فلسطين في مملكة الدنمارك، لكنه لم ينهِ رسالته الوطنية، لأن الرسالة التي آمن بها منذ عقود لا تعرف التقاعد.

عرفناه أكاديميًا مرموقًا، ومفكرًا سياسيًا، ودبلوماسيًا راقيًا، حمل اسم فلسطين إلى الجامعات، والمؤتمرات، والبرلمانات، ووسائل الإعلام العالمية. لم يكن مجرد سفير يمثل دولة، بل كان سفيرًا لقضية عادلة، ولشعب يناضل من أجل الحرية والكرامة.

طوال سنوات عمله الدبلوماسي، جسّد البروفيسور مانويل حساسيان صورة المسؤول الذي يؤمن بأن الدبلوماسية ليست بروتوكولًا، وإنما بناءٌ للعلاقات، وصناعةٌ للثقة، والدفاع عن الحق بالحجة والعلم والثقافة. وقد نجح في أن يكون صوتًا فلسطينيًا يحظى بالاحترام، لما امتلكه من ثقافة واسعة، وحكمة في الطرح، وقدرة على مخاطبة الآخر بلغته ومنطقه.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة، هو أن الرجل لم يغادر المشهد بعد انتهاء مهمته الرسمية. بل على العكس، بدا أكثر حضورًا في وسائل الإعلام، وأكثر حرصًا على إجراء اللقاءات والحوارات الصحفية والتلفزيونية، شارحًا للرأي العام حقيقة ما يجري في فلسطين، ومدافعًا عن حقوق شعبه، ومؤكدًا أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الرواية الفلسطينية تحتاج إلى من يحملها بصدق ومسؤولية.

لقد أثبت أن التقاعد ليس انسحابًا من الحياة العامة، وإنما انتقال إلى مساحة أوسع من الحرية في خدمة الوطن. فمن يتحرر من الالتزامات الوظيفية، يستطيع أن يمنح وقته وخبرته وفكره بصورة أكثر اتساعًا وتأثيرًا.

ولعل أجمل تشبيه يمكن أن يُقال في حقه، أنه يشبه النحلة التي لا تعرف الكسل؛ لا تهدأ، ولا تتوقف عن العمل، ولا تنتظر مقابلًا، بل تواصل العطاء أينما وجدت فرصة لخدمة رسالتها. هكذا هو البروفيسور مانويل حساسيان، ينتقل من منصة إلى أخرى، ومن لقاء إلى آخر، حاملًا فلسطين في قلبه، ومدافعًا عنها بعقله ولسانه وخبرته.

إن مسيرته الأكاديمية جديرة بالتقدير؛ فقد شغل مواقع علمية مرموقة، وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين، وكان من أبرز الأكاديميين الفلسطينيين في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. كما أن تجربته الدبلوماسية الممتدة جعلت منه أحد أكثر الوجوه الفلسطينية حضورًا واحترامًا على الساحة الدولية، لما اتسم به من اتزان، ورؤية، وعمق في التحليل.

واليوم، وهو يطوي صفحة العمل الدبلوماسي الرسمي، يفتح صفحة جديدة عنوانها: الدبلوماسية الحرة؛ دبلوماسية الضمير، والكلمة، والفكر، والإعلام. وهي مرحلة لا تقل أهمية عن أي منصب رسمي، بل قد تكون أكثر تأثيرًا، لأنها تنطلق من قناعة راسخة بأن الدفاع عن فلسطين مسؤولية مستمرة، لا ترتبط بمسمى وظيفي، وإنما بقيمة الإنسان وإيمانه بقضيته.

إن تكريم أصحاب العطاء وهم بيننا هو ثقافة حضارية قبل أن يكون وفاءً شخصيًا. والبروفيسور مانويل حساسيان يستحق كل كلمات الشكر والتقدير، لأنه قدّم نموذجًا مشرّفًا للأكاديمي، وللدبلوماسي، وللإنسان الذي ظل وفيًا لوطنه في كل المراحل.

كلمة وفاء

هناك أشخاص يغادرون مواقعهم، لكنهم لا يغادرون ذاكرة الناس، لأن ما يبقى ليس المنصب، بل الأثر.

كان البروفيسور مانويل حساسيان، طوال سنوات عمله سفيرًا لدولة فلسطين في مملكة الدنمارك، نموذجًا للدبلوماسي المثقف، الذي حمل وطنه بعلمه، وأخلاقه، واتزانه، قبل أن يحمله بصفته الرسمية. فكان حاضرًا حيث تكون فلسطين، ومدافعًا عن قضيتها بالكلمة الحكيمة، والحوار المسؤول، والرؤية العميقة.

وعندما  إختتم مهمته الدبلوماسية، فإننا لا نودع سفيرًا أنهى عمله، بل نحيي إنسانًا سيبقى سفيرًا لفلسطين أينما كان، لأن الرسالة التي عاش من أجلها لا تنتهي بانتهاء المنصب.

باسمي، وباسم كل من عرف قيمة العطاء الصادق، أتقدم إلى البروفيسور مانويل حساسيان بخالص الشكر والامتنان، تقديرًا لما قدمه من خدمة مخلصة لفلسطين، ولما تركه من أثر طيب في الدنمارك وخارجها.

نسأل الله أن يمده بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره وعلمه، وأن يواصل رسالته الوطنية والإنسانية كما عهدناه دائمًا، ففلسطين ما زالت بحاجة إلى حكمته، وإلى صوته، وإلى خبرته.

كل التقدير والوفاء لرجلٍ أثبت أن المناصب قد تنتهي، أما الرسالات فلا تتقاعد.

كل التحية والتقدير لهذا الرجل الذي علّمنا أن نهاية المنصب ليست نهاية الطريق، وأن التقاعد قد يكون بداية فصل جديد، أكثر إشراقًا، في مسيرة العطاء.

قد يغادر الإنسان منصبه، لكن لا يغادر رسالته. وقد تنتهي المهمة الرسمية، لكن الانتماء للوطن لا يعرف نهاية. هكذا نرى البروفيسور مانويل حساسيان؛ سفيرًا لفلسطين في موقعه الرسمي بالأمس، وسفيرًا لها اليوم بكلمته، وفكره، وحضوره، وإيمانه الراسخ بعدالة قضيته.

كل الشكر والتقدير، مع خالص الأمنيات له بموفور الصحة والعافية، وأن تبقى خبرته وعطاؤه منارة للأجيال، وأن يواصل رسالته الوطنية والإنسانية كما عهدناه دائمًا

شكرًا، البروفيسور مانويل حساسيان… لأنك أثبت أن الرجال أصحاب الرسالات لا يتقاعدون، وإنما يواصلون صناعة الأمل وخدمة أوطانهم ما دام في القلب نبض، وفي العقل فكر، وفي الكلمة صدق.

الدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية. كاتبة المقال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى