فلسطين تراث وحضاره

سفينة البارون والطنطورة / سلوى عادل شما

في طريق عودته من زمرين – زخرون يعقوب  الى الطنطورة شاهد محمد مجموعة كبيرة من الناس تقف على احدى التلال المطلة على قرية الطنطورة، إنتابه شعور بالقلق, فلم يعتد على مشاهدة مثل هذه التجمعات بالقرب من قريته الصغيرة الوادعة.

كانت الشمس تقترب من الغروب, ورويدا رويدا اقترب محمد من التلة, شده الى ذلك الفضول للتعرف عن سر هذا اللقاء. ملابس الاشخاص لا تبقي عنده شكا انهم من اليهود, وعندما اقترب اكثر تعرف على بعضهم, انهم من سكان مستعمرة زمرين ومن بينهم مختار المستعمرة, محمد يعرفهم جيدا لأنه يعمل في المستعمرة منذ عدة سنوات.

لا ينتبه أحد الى اقتراب محمد, فجميعهم مشغولون بالاستماع الى رجل يتوسطهم, ينظرون اليه باحترام وتقدير, يبدو عليه انه رجل ثري وذو سلطة قوية, يتحدث بهدوء وثقة وعندما يتحدث لا ينبس احد منهم ببنت شفة, اعتلى ذهن محمد منظر زمرين التي قام سكانها بتزيينها وتنظيفها قبل ايام, شد هذا المنظر اهتمام محمد اكثر واكثر, وأخذ ينصت الى حديثه.

حاول محمد أن يفهم ما يقوله هذا الرجل, انه يتكلم باللغة العبرية التي تعلمها من خلال عمله في زمرين, لا يصدق محمد ما تسمعه اذناه, أنه يأمرهم ان عليهم الاستيلاء على هذه البلدة الجميلة التي تشبه اللؤلؤة, يقول ذلك وهو يشير بإصبعه الى قرية الطنطورة, يأمرهم ان عليهم الاستيلاء على البلدة مهما كلف الامر من اموال, والا فعليهم ان يقوموا بذلك بالقوة.

زمرين مزينة بقدوم ضيفها الرفيع, انها ول زيارة له الى البلاد, انهم ينتظرون هذه الزيارة منذ اكثر من خمس سنوات, لم يبق احد في بيته, فجميعهم خرجوا الى استقباله واعطاءه ما يستحقه من تقدير واحترام. بعد استقباله مباشرة نظم له مختار زمارين جولة في المنطقة القريبة, وفي بعد انتهاء الجولة عادوا الى زمرين لتناول وجبة عشاء فاخرة.

بدأ مختار زمارين حفل العشاء بالتبجيل والتمجيد لضيفه الرفيع, وشكره على كل ما قدمه لهم, وشكا له الصعوبات والاذى الذي يتعرضون له من جيرانهم العرب, وبعد ذلك استهل الضيف حديثه عن رغبته اقامة مصنع كبير لصناعة القناني لتعبئة النبيذ الذي ينتجه في المستعمرات القريبة والذي سيصدره الى فرنسا وباقي انحاء اوروبا, وأن رأيه قد استقر على إقامة هذه المصنع بجانب قرية الطنطورة التي أحبها من النظرة الاولى, وما عليهم الا ايجاد قطعة الارض المناسبة لشرائها والبدء بمباشرة العمل.

حاول المختار لفت انتباه الضيف ان المنطقة القريبة من الطنطورة مليئة بالحشرات الخطيرة التي تعيش هناك في المستنقعات, هذا الكلام لم يعجب الضيف, فالمختار لم يفهم قصده من وراء اقامة هذا المصنع بجانب الطنطورة, استمر الضيف في حديثه موجها كلامه الى شخص يجلس على يساره, اسمه مئير ديزنجوف, ملقيا عليه مهمة تنفيذ هذا المشروع.

عدا محمد باتجاه بيت مضافة الطنطورة, جبينه يتصبب عرقا, انه لا يصدق ما سمعت اذناه. وجد في المضافة مختار الطنطورة وكبار البلدة, واخبرهم عما سمع, حاول بعضهم التأكد مما يقوله لهم. مختار البلدة يعلم ان هذا الضيف هو البارون وأنه اذا قال فعل, ويعي مدى خطورة هذا الكلام وأخذه على محمل الجد.

دعا مختار الطنطورة أهل البلدة للتشاور حول نية البارون السيطرة على البلدة, وبعد نقاش طويل اجمعوا على تحريم بيع الاراضي لليهود وقرروا ارسال رسول الى الوالي التركي يشرح له نية البارون السيطرة على البلدة.

بدأ مئير عمله مباشرة لتنفيذ اوامر البارون لبناء مصنع القناني في الطنطورة, مستغلا علاقته مع بعض اصدقائه العرب لشراء قطعة ارض عن طريقهم قرب الطنطورة. يتفهم مئير ان اقامة المصنع هو هدف ووسيلة, هدف لان هناك حاجة للقناني لتعبئة النبيذ المصدرة الى فرنسا, ووسيلة لكي لتنفيذ رغبة البارون بالسيطرة, رويد رويدا, على قرية الطنطورة, لذلك قرر مئير أن يبدأ مشروعه ببناء مساكن هناك للعمال اليهود الذين سيتولون بناء المصنع.

ينظر اهالي الطنطورة الى المبنى الضخم الشاهق الذي يبنى بجانبهم, مبنى واسع من الحجارة الكبيرة, انهم لا يعرفون من يقف وراء هذا المبنى, لعله يكون مصدر رزق لهم ايضا. يستمر بناء المبنى وتحضير المصنع حتى تم افتتاحه بعد خمس سنوات من زيارة البارون.

تعود أهالي الطنطورة على منظر ثلاث سفن كبيرة, تحضر من بعيد الى ميناء الطنطورة, تنزل كميات كبيرة من السلع وتحمل النبيذ بالقناني التي تم صناعتها في المبنى الكبير المجاور, لكن املهم ان يكون هذا المبنى مصدر رزق لهم تلاشى.

في الليل يتسامر شباب الطنطورة على جزيرة أعمر, ينظرون الى بعيد داخل البحر, انهم يرون اضواء سفينة تقترب, يعرفون انها احدى سفن البارون التي تحضر الى الميناء فتنزل حمولتها ومن ثم تغادر وهي معبأة بقناني النبيذ, فجأة تختفي هذه الاضواء.

في الصباح يستيقظ أهل الطنطورة على منظر غريب عجيب: شاطئ البحر مرصع بالأواني المنزلية, والصناديق والقرميد وأكياس القماش, بكميات لا تحصى, انها هدية لهم من السماء, يجمعوها ويقسموها بينهم.

البارون فخور جديد بمشروعه الجديد في الطنطورة, لقد قام حتى اليوم بالكثير من المشاريع وبنى الكثير من المستعمرات لكنه كان للطنطورة مكان خاص في قلبه. فبعد عام من افتتاح المصنع قام البارون بزيارة مفاجئة الى زمارين للاطمئنان على مشروعه الجديد, يستقبله سكان زمرين استقبال الملوك ومن ثم يتوجه الى الطنطورة برفقة مئير, وهناك يأمر بهدية كبيرة الى كل عامل فيه

بعد عام من هذه الزيارة يرسل الدكتور هلل يافيه, الذي يدير عيادة المرضى في زمرين, رسالة مستعجلة الى البارون, يشرح فيها انتشار المرض بين الكثير من العمال اليهود في مصنع القناني, و ان ذلك ادى الى موت بعضهم, لقد تحقق ما قاله مختار زمرين للبارون في زيارته الاولى من خطورة الحشرات في المستنقعات القريبة.

يستمر المصنع بالعمل سنة اضافية, والامراض تزداد وتتفشى بين العمال اليهود يوما بعد يوم, واستمر الامر كذلك حتى عام 1895, ثلاثة اعوام بعد افتتاحه قاموا بإغلاق المصنع وزال الخطر مؤقتا عن الطنطورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

إغلاق