ثقافه وفكر حر

حكاية_نور.الجزء1( يوسف بوزيان)

بدأت حكايتي قبل ثلاثون سنة من الآن.. كنت شابا ميسور الحال و لم يكن هناك شيء ممتع في الحياة إلا و قمت به….بحكم وجودي وحيدا لدى والدي ، كانت طلباتي أوامر و لم يكن هناك شيء واحد ينقصني….و بعد سبعة و عشرون عاما قضيتها و أنا مدلل الأسرة….تعرفت على فتاة جميلة لأسرة متوسطة الدخل..جعلتني أتخلى عن عداتي السلبية القديمة و أخرجتني من الإدمان الذي كنت عليه..فصرت شخصا آخر بفضلها و من ثم قررت خطبتها و ذلك ما حصل…رغم رفض والدتي للأمر في البداية إلى أنها وافقت بعد أن أتعبها إصراري.. قد أحببتها كثيرا كما أنني لم أحب من قبل و لم يعد يخطر في بالي غيرها و مع كل يوم يمر يزداد تعلقي بها و كأنها تناولني جرعات حبها مع كل كلمة منها….سنتين بالتمام و الكمال..سنتين و نحن ننتظر موعد زفافنا…ذهبنا لمحل الذهب لإقتناء الخواتم و الأساور ثم قمنا بكتابة دعوات الحفلة و بدأنا في توزيعها على أفراد العائلة و الأصدقاء… و لكن من قال أن الحياة تظل جميلة للأبد دعوني أخبركم بالحدث الذي قلب موازين القصة و جعلها مؤساوية…كنت جالسا في المقهى وقتها يوم جائني إتصال هاتفي …. (ألو أ أنت وائل إبن خالد و فاطمة) ” …..(نعم من معي )….رد المتكلم و في نبرة صوته أسف ( المرجو الإلتحاق بالمستشفى المركزي فوالديك بين الحياة و الموت ، لقد قاما بحادثة سير )….لا أستطيع وصف تلك اللحظة بكلمة…نهضت و سكبت على ملابسي القهوة و هرولت نحو السيارة…قلبي يخفق و دموعي تسكب على وجنتاي….عقلي مغيب و شفتاي ترتعشان…صعدت درج المستشفى و إذا بي أراهما ممدان في الفراش و الكثير من الأجهزة تحيط بهم….أصبحت أرى وقتها سوى الضباب أمام عيناي ..الرؤية باهثة…و بعدها سقطت أرضا و أغمي علي…تمنيت أن يكون ما عشته كابوسا لأستفيق منه و لكنني حين نهضت وجدت أنا ما كنت أعيشه حقيقي….راحت أمي لخالقها…لقد صرخت بشدة و ضربت رأسي في الحائط و رحت أنين كصبي صغير بجوار جبينها ثم إسترجعت ذكرياتي معها…و أنا طفل تحكي لي عن الغول الذي يأكل الصغار و عن حكاياتها الليلية…و عن نظرتها لي حين تخرجت و هي مفتخرة بي…شريط الذكريات مر علي و أنا أنهج من البكاء….ثم رجعنا صوب البيت أنا و أبي لوحدنا….وقتها لم يعد يربطني بالحياة سوى الهواء الذي يدخل رئتي و غير ذلك لم يعد يربطني بها شيئا ، و الشركة إياها التي كانت لنا قد أعلنت إفلاسها و خبر إفلاسها بالمناسبة هو ما جعل أبي يرتكب تلك الحادثة المهولة….أما بالنسبة لخطيبتي فغادرت حياتي بسهولة…كنت كلما إتصلت بها إلا وجدت رقمها غير متوفر ..إلى أن غيرت رقمها بالمرة…وقتها فهمت كل شيء كان محجوبا عن عيناي…فهمت لما كانت تفضل الحديث عن أثاث المنزل و السيارة و الشركة كثيرا..فهمت لما كانت شحيحة في عاطفتها…عرفت أنني مشروع ليس أكثر و بمجرد أن أصبح المشروع صفقة خاسرة غادرته بصمت رهيب…..رجعت لحياتي السابقة حين كنت مدمنا للخمر و لم يعد هناك شيء في الحياة يغريني…فقررت رمي نفسي أمام سكة القطار ليدهسني و يقضي علي للأبد…رحت و زجاجة الخمر في يدي ثم وقفت منتظر إياه…صرخت وسط السكة بقوة و تلت صرختي تلك صرخة القطار و كأنه يخبرني أنه قادم لإنقاذي من الإكتئاب و اليأس…و أخيرا سينتهي كل شيء…سأتبخر كالماء و ستصبح روحي حرة طليقة….لم أكن أفكر لا في الحساب الإلاهي و لا أنني سأذهب للنار…أريد فقط حلا فوري للعذاب الذي أعيشه….أنا واقف في السكة بكل شجاعة و فاتح صدري للقطار….و القطار قادم يفصلني عنه كيلومتر أو أقل….وقتها بدأت أسمع صوت صبي صغير يبكي…خرجت من سكة القطار و رحت أتتبع الصوت…إنها رضيعة بلون وردي و رائحة الجنة لا زالت على جلدها…لم تكن ترتدي ملابس و كانت تصرخ..ضممتها لصدري و وضعتها وسط معطفي..هي وحيدة و متخلى عنها…كما الحال بالنسبة لي…وأنا أضمها سكتت لهنيهة و نظرت لوجهها البريء ذو الملامح الصغيرة فدمعت عيناي و سقطت دموعي على وجنتيها ليبدئ فصل آخر من حياتي………أخدتها للبيت و قمت بتدفئتها ثم إشتريت لها حليبا و أخدتها في حضني..حينما ضممتها بصدري شعرت بالحنان الذي كنت بالحاجة إليه لأعرض عن فكرة الإنتحار و منذ ذلك الوقت قررت العيش لأجل عيون تلك الرضيعة……و هنا ستبدأ حياتي مع الرضيعة التي أطلقت عليها إسم نور…. لأنها بكل البساطة النور الذي أضاء حياتي حين ظننت أنه لم يعد فيها سوى الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 5 =

إغلاق