مكتبة الأدب العربي و العالمي

حكاية #بائعة_اللبن الجزء الثالث والاخير

أوصى عليّ جلال أحد معارفه من المحامين لأتربّص عنده في مكتبه ،وكنت متفوقة ،فصار لي الكثير من الحرفاء ،وبدأت الجنيهات تجري بين يدي ،وأوّل شيئ عملته أجّرت شقّة وسط القاهرة، ونقلت إليها أمّي رغم معارضتهما الشديدة ،وقالت :لمن سأترك داري؟ ثمّ كيف أفعل لبيع بضاعتي في السّوق ،أجبتها بحدّة لا حليب، ولا سوق !!! هل نسيت كيف عايرنا ذلك الوقح إبن الجيران ؟ يعتقد نفسه أحسن منا ،اقعدي في البيت وسأعطيك مصروفك وأشتري لك ما تريدين ،أمّا أخي الصّغير ،ففرح بهذه الحياة الجديدة ،وكان يحبّ كل يوم الذّهاب إلى السوبرماركت ،وهناك يجد كلّ ما يشتهيه من حلويات وألعاب .
وبعد مدّة إشتريت سيارة بالتقسيط ،وأصبحت ألبس وأتزيّن، وأحمل أمّي وأخي إلى الكازينوهات والمطاعم على كورنيش النّيل ،وأطلب لهم البيتزا وماك دونالد، لم يكن ذلك الأكل يعجبني ،لكني أتظاهر أمام النّاس من الطبقات الميسورة أنّني مثلهم ،لكنّي لمّا أرجع للشّقة نطبخ طعامنا البلدي ملوخية أو كوسة ،وحتى طبق فول ،وآكل حتى أشبع، في البيت حاجة وأمام الناس حاجة ثانية .أصبحت لي صديقات كثيرات من بنات البهوات ،وكنت أكذب عليهن وأقول أن أبي رجل أعمال ناجح ،وأكثر ما أربحه يذهب في محلاّت الملابس وصالونات التجميل ،أما جلال فتعجّب لهذا التّغيير ،ونصحني أن أبقى على طبيعتي ،فهو يراني أجمل هكذا ،لكنّي كنت أقول في نفسي :وما يعنيه من أمري ،فهو ليس وصيا عليّ !!! وبمرور الوقت صرت اتجنبه،فعنده الكثير من طباع الرّيف والأهم من ذلك هو يعرفني كيف كنت أبيع اللبن ،لهذا قرّرت قطع علاقتي به ،وكلّما اتّصل بي في التّيليفون كنت أقفل السّماعة في وجهه ،لكنّه لم يغضب منّي فلقد حدث مع زوجته نفس الشيئ،وأنتهت العلاقة بالطلاق .
طبعا أمّي كانت تعلم بعلاقتي مع جلال ،ولم تكن راضية على ما فعلته معه ،وقالت إنه إبن حلال ،ويحبّك ،فصحت في وجهها: لا أريد أن يعايرني بأنني بائعة لبن لما أتعارك معه ،وهذه الصّورة لن تزول أبدا من باله ،هل فهمت يا أمي ؟ ثم الرجّال كثيرون هنا ،وسأختار من يعجبني ،وكلهم يجرون وراء المال والمنصب، ولا تهمّهم المرأة، هل نسيتي عبد الفتاح ؟ كلّ الرّجال مثله،موأنا أعرف ما أقول .مرّت الأيّام، وفتحتت مكتب محاماة خاص بي في شارع فؤاد ،ورشحني الحزب لمجلس الشّعب ،والمفاجأة أنّ جلال كان في القائمة المنافسة بعد أسّس حزبا جديدا،وعمل حملته في الأرياف وقابل المزارعين امّا أنا ركزت على كبار الشخصيات ،وكنت مقتنعة بالفوز ،لكن يوم النتائج فوجئت بأنّه مع البسطاء قد هزموني ،ورفضت أن أهنّئه ،
رجعت إلى شقتي غاضبة ،ثم رميت حقيبتي ،وبكيت ،وبعد أيّام سمعت أن جلال خطب فتاة من أسرة ريفية محافظة ،فلم أعر لذلك إنتباها ،أما أنا فرغم كثرة علاقاتي مع أبناء الأكابر ،فلم يتقدم أحد لخطبتي ،والوحيد الذي كلمني إقترح علي زواجا في السرّ ،وقد آلمني ذلك ،واكتشفت حجم الرئاء والنفاق في هذا العالم الذي دخلته ،كله مظاهر زائفة براقة ،وللمرّة الأولى فكّرت في قريتنا و،طيبة أهلها رغم فقرهم ،وهالني إكتشاف أنّني معى أمي وأخي نعيش لإرضاء الآخرين ،وليس لأنفسنا، ونحن بعنا سعادتنا ،لكن ماذا ربحنا ؟ لا شيئ ،لقد خسرت جلال ،و،علياء الطيبة القنوعة التي كانت داخلي وتساءلت ،ألم أكن سعيدة وأنا أبيع اللبن ؟ولما أرجع إلى أمّي بالمال، كنت أرى الفرحة على وجهها، كانت تعرف كيف تتصرّف فيه رغم قلته ،أمّا الآن فالمال موجود لكن لا تفعل به ما تشتهيه نفسها،فلقد منعتها من زيارة الأقارب ،وحكمت عليها أن تخلع الجلباب الريفي ،وتلبس فستانا ،وهدّدتني مرات عديدة بأخذ أخي الصّغير، والرجوع إلى قريتها وهي غير راضية لبقائي دون زواج والخروج في الليل للسّهر .
مرّت كل هذه الأفكار أمامي دفعة واحدة ،وتساءلت لماذا جاء كل ذلك الآن ؟ ثم عرفت الجواب، فأنا أحبّ جلال ،وكنت أكابر لأنّي لم أرد أن أعترف أنه صاحب الفضل عليّ ،تصوّرت أنّه يمكني بناء حلمي بنفسي،لكني فشلت ،ومازالت كلماته ترنّ في أذني لمّا نصحني أن أبقى على طبيعتي ،والآن سيتزوّج ،ولن أجد شخصا مثله يحبني ويقبل بي كما أنا. فكرت طوال الليل ثمّ إتخذت قرارا غريبا ،وفي الغد أتيت بتاجر، وبعت كل أثاث الشقة والمكتب ،ورجعت ،إلى قريتى ،لا أكذب عليكم أني لما فتحت باب الدار شممت رائحتها ،وتزاحمت في ذهني الذّكريات،فأحسست بفرحة طاغية ،وفي الصّباح كنت في السوق وأمامي زجاجات الحليب والجبن ،وقلت في نفسي لقد عشت سنوات لأجل الناس والآن سأعيش لنفسي ،بعد أيّام وجدت جلال أمامي وفمه مفتوح من الدّهشة ،وقلت له: لا تتعجّب، فقدري أن أكون بائعة لبن .وأنا سعيدة بذلك ..

من قصص الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق