الرئيسية

الرياضة… حين تتحول الملاعب إلى منصات لبناء المجتمع ورواية حكايته

شاعر الأمة محمد ثابت

الرياضة… حين تتحول الملاعب إلى منصات لبناء المجتمع ورواية حكايته

بقلم: د. غزال أبو ريا

“ليست الرياضة مجرد منافسة على الألقاب، بل رسالة تبني الإنسان، وتوحد المجتمع، وتحمل روايته إلى العالم.”

عندما حقق المنتخبان العربيان، المغرب ومصر، قبل ساعات إنجازين تاريخيين في كأس العالم، لم تقتصر الفرحة على شعبي البلدين، بل امتدت إلى الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. لقد توحدت المشاعر العربية خلف هذا الإنجاز، في مشهد أكد مرة أخرى أن الرياضة قادرة على تجاوز الحدود، وجمع الشعوب، وبلورة الأمل، وتعزيز روح الانتماء.

فالرياضة لم تعد مجرد منافسة على الفوز والخسارة، بل أصبحت مدرسة لبناء الإنسان، وترسيخ قيم الانضباط، والعمل الجماعي، والالتزام، والمثابرة. وعندما يحقق فريق أو منتخب إنجازًا، يشعر المجتمع بأسره بأنه شريك في هذا النجاح، فترتفع المعنويات، وتتجدد الثقة بالنفس، وتتكون صورة ذاتية أكثر إيجابية وثقة بالمستقبل.

وفي عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام والاتصال تجعل العالم قرية صغيرة، تتحول البطولات الرياضية إلى أحداث تستقطب اهتمام وسائل الإعلام العالمية، التي لا تكتفي بتغطية المباريات، بل تبحث أيضًا عن المجتمع الذي يقف خلف الفريق، وتتعرف إلى ثقافته، وتاريخه، وقضاياه، وتطلعاته. وهكذا تصبح الرياضة نافذة حضارية تنقل رواية المجتمع إلى العالم، وتقدم صورته الحقيقية من خلال قصص النجاح والإنجاز.

وقد عايشت هذه الحقيقة عن قرب، إذ رافقت مسيرة اتحاد أبناء سخنين منذ انطلاقته الأولى، وشهدت كيف تحول من فريق لكرة القدم إلى عنوان لمجتمع كامل. كما استضفت ورافقت العديد من وسائل الإعلام العالمية التي جاءت لتغطية مسيرة الفريق، ولم يكن اهتمامها مقتصرًا على المباريات، بل كانت تبحث عن قصة سخنين ،ومجتمعنا العربي ،وعن أهلها، وثقافتها، ورسالتها، وكيف استطاع هذا النادي أن يقدم نموذجًا رياضيًا ومجتمعيًا يستحق أن يُروى للعالم.

لقد أثبتت هذه التجربة أن الفريق الرياضي يمكن أن يكون سفيرًا لمجتمعه، وجسرًا للحوار مع الشعوب، ومنبرًا يعكس الوجه الحضاري لمجتمعنا العربي ، ويقدم روايته بصدق وثقة.

إن الإنجازات التي حققتها المنتخبات العربية يجب ألا تبقى مجرد لحظات فرح عابرة، بل ينبغي أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع طويل الأمد. فمن المؤكد أنها ستلهم الكثير من الأطفال والفتيان للالتحاق بمدارس كرة القدم، كما ستشجع الأهالي على دعم مواهب أبنائهم منذ سن مبكرة، لأن الاستثمار في الطفل الرياضي هو استثمار في مستقبل المجتمع.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الأسر وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتحملها أطرنا ومؤسساتنا، والسلطات المحلية، والجمعيات الأهلية، والقطاع الخاص، والقيادات المجتمعية. فجميعها مطالبة بتوفير الدعم، ورصد الموارد، وتطوير الملاعب والمنشآت الرياضية، وتشجيع إقامة مدارس كرة القدم، ورعاية المواهب، وإطلاق المزيد من المبادرات الرياضية في بلداتنا العربية، حتى تصبح الرياضة جزءًا من مشروع تربوي وتنموي ومجتمعي متكامل.

ولا أبالغ إذا قلت إن الاستثمار في الرياضة هو أيضًا استثمار في مواجهة العنف المستشري في مجتمعنا. فكل طفل يجد مكانه في الملعب، وكل شاب ينتمي إلى فريق، يكتسب قيم الانضباط، والاحترام، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. والرياضة تملأ أوقات الفراغ بما هو مفيد، وتفتح أمام الشباب أبواب الأمل والنجاح، وتوفر لهم بيئة آمنة تنمي قدراتهم وتصقل شخصياتهم، الأمر الذي يسهم في الحد من العنف والجريمة ويعزز الحصانة المجتمعية.

إن مجتمعًا يستثمر في الرياضة، إنما يستثمر في الإنسان. ومجتمعًا يمنح أبناءه فرصة للنجاح في الملاعب، يمنحهم أيضًا فرصة للنجاح في الحياة. ولذلك، فإن دعم الرياضة ليس دعمًا لفريق أو لنادٍ فحسب، بل هو استثمار في مستقبل أبنائنا، وفي مجتمع أكثر تماسكًا وثقة بنفسه.

لقد أثبتت تجربة اتحاد أبناء سخنين، كما أثبتت الإنجازات العربية الأخيرة، أن الرياضة قادرة على أن توحد الناس حول هدف واحد، وأن تحمل رسالة مجتمع كامل إلى العالم. ومن هنا، فإن علينا أن ننظر إلى الرياضة بوصفها شريكًا في التربية، والتنمية، وبناء الإنسان، وصناعة الأمل، لأنها ليست مجرد لعبة… بل مشروع مجتمع بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى