صدى الأوتار في رحاب الخلود: “همسة سماء الثقافة” تعزف “لحن القلوب” تحية للعندليب
الأستاذة فاطمة عيساوي

صدى الأوتار في رحاب الخلود: “همسة سماء الثقافة” تعزف “لحن القلوب” تحية للعندليب
في أمسية تألقت فيها لآلئ الإبداع وتمازج سحر الكلمة بعذوبة النغم، نظمت منظمة “همسة سماء الثقافة الدنماركية الدولية” جلسة ثقافية فنية معطرة حملت عنوان الوفاء في ظل برنامج “لحن القلوب”؛ لتكون تحية امتنان خالدة في ذكرى رحيل قيثارة الشرق وعندليبه الأسمر عبد الحليم حافظ. وقد أقيم هذا المحفل الباهر بإدارة سعيدة اللغة العربية الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، صانعة التميز أينما حلت، وبمتابعة تقنية محترفة للمهندس عبد الحفيظ إغبارية، الذي جعل من الفضاء الرقمي جسرا نورانيا يربط قلوب المتلقين عبر قارات العالم.
وافتتحت اللقاء ونشطت محاوره الفنانة المتميزة الراقية لميس الحاج، التي طوعت الحديث ببراعة، فكان صوتها الدافئ ينساب في شرايين اللقاء انسياب الماء في الغصن النضير. ولم تكن أستاذتنا الفاضلة مجرد مديرة للحوار، بل كانت فاشية للفرح وعازفة على أوتار القلوب، حيث زادت الجلسة غنى وتشويقا حينما صدحت بصوتها الرخيم مؤدية بعضا من روائع العندليب، فمزجت طرب النغم ببهاء الكلمة، وحولت المنصة إلى واحة تجتذب الأرواح الظمأى للفن الأصيل.
واستضافت المنصة الرقمية المشهورة شاعر الأمة المبدع الأستاذ محمد ثابت، الذي أنعش الأمسية بعبقريته المعرفية ومداخلاته الثرية؛ إذ بسط الشاعر الكبير تفاصيل جوهرية وملامح إنسانية وفنية شديدة الدقة للأغاني العظيمة التي قدمها العندليب، لا سيما تلك التي شكلت عمودا فقريا لأفلام السينما العربية الخالدة. فتحركت المشاعر مع دراما “الوسادة الخالية”، وتمايلت مع “بنات اليوم”، وأبحرت مع “أبي فوق الشجرة”، ليعيد إلى الأذهان قصص نشوء تلك التحف الفنية.
وقدم الشاعر ثابت تحليلا سيكولوجيا وتاريخيا لخلفيات هذه الألحان، فكشف عن الحكايات الخفية للمخرجين والمؤلفين والملحنين العمالقة الذين رافقوا رحلة عبد الحليم، مسلطا الضوء على ذلك التلاحم الأسطوري الذي جعل من تلك الحقبة فترة ولادة إعجازية لا تتكرر في تاريخ الأغنية الشرقية، حيث كان نبض الصدق فيها يطبع قبلة الخلود على جبين الفن، ويجسد تلك التوأمة الدلالية الخالدة بين شجن الحب وعذاب الماضي التي لطالما ترنم بها الجمهور.
ولم يكن مستغربا أن يجذب هذا المحفل اهتماما دوليا واسع المدى نظرا لما تلاقيه برامج منصة “همسة سماء الثقافة” من صدى طيب ومكانة راسخة، لا سيما في الأقطار العربية وبين صفوف المغتربين في المهاجر؛ إذ باتت المنظمة الحصن الأمين الذي يختصر المسافات ليفتح للمثقف العربي آفاق الإبداع والاكتشاف الكبرى، محدثة تفاعلا هادرا كالطوفان مع جماهير الحضور عبر فضاءات التواصل الاجتماعي.
وفي ختام هذه الملحمة الفنية، انسكبت نفحات شعرية رقيقة جاد بها قلم الشاعر محمد ثابت مع حضور فني مبهر للفنانة لميس الحاج ليسدل الستار على جلسة لا تنسى. وفي انتظار وترقب شغوف للقاءات قادمة تقودها صانعة المفاخر، الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، ندعو بأن تدوم همسات الثقافة منارة للفخر والاعتزاز، جاذبة للروح، وعازفة أبدا على لحن القلوب التي ترتقي بالفكر والوعي.




