مقالات

دوز في مواجهة المناخ والتصحر: هل تستطيع واحة الجنوب التونسي أن تنقذ مستقبلها؟

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

في أقصى الجنوب التونسي، حيث تلتقي الرمال بالواحات، تبدو مدينة دوز وكأنها تعيش على خط تماس مباشر مع واحدة من أكبر معارك القرن الحادي والعشرين: معركة الإنسان مع ندرة المياه وارتفاع الحرارة وتدهور الأراضي.

دوز ليست مجرد مدينة صحراوية. إنها جزء من منظومة بيئية واقتصادية وثقافية ترتبط بالواحة والنخيل والزراعة والمياه الجوفية والسياحة الصحراوية والمجتمع المحلي.

لكن هذه المنظومة أصبحت أكثر هشاشة تحت ضغط تغير المناخ والأنشطة البشرية.

الصحراء ليست المشكلة

من الخطأ النظر إلى الصحراء باعتبارها أرضاً ميتة تحتاج فقط إلى “التشجير”.

الصحراء منظومة بيئية متكاملة لها نباتاتها وحيواناتها ومساراتها المائية وتوازناتها الطبيعية، والواحة نفسها نظام ذكي طوره سكان الجنوب عبر قرون للتكيف مع المناخ الجاف.

وتؤكد وزارة البيئة التونسية أن الواحات تمثل منظومات اقتصادية وبيئية مهمة، وأن الواحات الصحراوية تشكل حوالي 77 في المائة من المساحة الجملية للواحات التونسية، بينما تمثل ولايات قبلي وتوزر وقفصة وقابس المراكز الرئيسية لهذا النظام الواحي.

المشكلة إذن ليست في الصحراء، بل في فقدان التوازن بين الإنسان والموارد المحدودة.

الماء: قلب الأزمة

في الجنوب، لا يمكن الحديث عن حماية البيئة دون الحديث عن المياه.

ارتفاع درجات الحرارة يعني زيادة التبخر والاحتياجات المائية، بينما يؤدي تراجع الأمطار وعدم انتظامها إلى زيادة الضغط على الموارد الجوفية.

وتشير وزارة البيئة التونسية إلى أن تغير المناخ يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاحتياجات من المياه، وتدهور نوعية المياه، وزيادة استغلال الموائد الجوفية، وهو ما يرفع مستوى هشاشة الموارد المائية أمام تغير المناخ.

أما الدراسات الخاصة بواحات جنوب قبلي فتشير إلى تعرضها لمشكلات مرتبطة بتغير المناخ وندرة المياه وارتفاع الحرارة وتراجع التساقطات، إضافة إلى الضغوط البشرية، مع انعكاسات على إنتاجية النخيل وجودة المياه الجوفية.

من الاستنزاف إلى الإدارة الذكية

المطلوب اليوم ليس فقط البحث عن مصادر مياه إضافية، بل إدارة المياه الموجودة بصورة أكثر كفاءة.

وهنا يمكن أن تتحول دوز إلى مختبر تونسي للحلول الصحراوية.

يمكن اعتماد شبكات ري حديثة، وقياس رطوبة التربة، واستخدام الاستشعار عن بعد لتحديد المناطق الأكثر احتياجاً للمياه، وإعادة استعمال المياه المعالجة حيثما تسمح المعايير الصحية والبيئية، وتطوير الزراعة الأقل استهلاكاً للمياه.

وتشير وزارة البيئة التونسية بالفعل إلى وجود دراسات لإعادة استخدام المياه المعالجة في ولايتي قبلي وتطاوين لإنتاج الأعلاف، ما يفتح المجال أمام حلول دائرية للمياه في الجنوب.

*حماية الواحة تبدأ من حماية تنوعها
*
الواحة التقليدية ليست مجرد مجموعة من أشجار النخيل.

إنها نظام متعدد الطبقات، حيث توفر النخلة الظل لمحاصيل أخرى وتساهم الطبقات الزراعية المختلفة في تحسين استغلال الماء والمناخ المحلي.

وتقدم تجربة واحة قفصة التاريخية مثالاً مهماً على قدرة نظم الواحات التقليدية على التكيف مع المناخ الجاف من خلال الإدارة الدقيقة للمياه وتنوع الزراعات وتكامل النشاط الزراعي والحيواني.

لكن التجربة نفسها تكشف خطراً آخر: تحول بعض الواحات نحو الزراعة الأحادية وزيادة الضغط على المياه.

وهنا يمكن أن يكون الدرس واضحاً لواحات قبلي ودوز: التنوع الزراعي ليس ترفاً، بل وسيلة لحماية النظام البيئي وتقليل المخاطر.

*ما الذي يجب فعله الآن؟
*
هناك إجراءات عاجلة لا تحتمل التأجيل.

أولها، إنشاء نظام محلي دائم لمراقبة المياه الجوفية، يشمل مستوى المياه ونوعيتها والملوحة ومعدلات الاستغلال.

ثانيها، مراجعة أنماط الري والتوسع الزراعي وفق القدرة الحقيقية للموارد المائية.

ثالثها، الحد من الزراعات الأكثر استهلاكاً للمياه عندما لا تكون ملائمة للقدرات المائية المحلية.

رابعها، إصلاح شبكات الري المتضررة وتقليل التسرب.

خامسها، تشجيع استعمال المياه المعالجة وفق المعايير المعتمدة، خصوصاً في الزراعات الملائمة لذلك.

سادسها، دعم الفلاحين بالتكوين والتمويل والتكنولوجيا بدلاً من تحميلهم وحدهم تكلفة التكيف مع تغير المناخ.

*ماذا عن المستقبل؟
*
الحل المستقبلي يجب أن يتجاوز المشاريع المتفرقة نحو استراتيجية متكاملة للمنظومة الصحراوية.

يمكن إنشاء منصة رقمية لواحات قبلي تعتمد على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، تراقب الغطاء النباتي، ودرجة حرارة التربة، والإجهاد المائي، وتغير المساحات الزراعية، وتساعد على اكتشاف المشكلات قبل تحولها إلى أزمات.

كما يمكن استخدام الطاقة الشمسية لتقليل كلفة بعض عمليات ضخ المياه، مع ضرورة ربط استعمال الطاقة الشمسية بإدارة صارمة للمياه حتى لا تتحول الطاقة الرخيصة إلى حافز إضافي للاستنزاف الجوفي.

ويجب كذلك تطوير السياحة البيئية والثقافية والصحراوية، بحيث تصبح الواحة نفسها جزءاً من الاقتصاد المحلي، لا مجرد خلفية للصور السياحية.

*من دوز إلى شمال إفريقيا

المشكلة ليست تونسية وحدها.

شمال إفريقيا بأكمله يواجه تحديات مرتبطة بالجفاف والتصحر وندرة المياه وارتفاع الحرارة.

ومن هنا يمكن أن تتحول التجارب المحلية في دوز وقبلي إلى جزء من شبكة مغاربية لتبادل المعرفة حول إدارة الواحات والمياه والزراعة الصحراوية، بالتعاون بين تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا.

فما يحدث في الواحات الصحراوية ليس قضية محلية صغيرة، بل جزء من مستقبل الأمن الغذائي والمائي للمنطقة.

دوز: فرصة وليست فقط منطقة هشّة

إذا كان تغير المناخ يضع دوز أمام خطر حقيقي، فإنه يضعها أيضاً أمام فرصة.

فرصة لأن تصبح نموذجاً للمدينة الصحراوية القادرة على الجمع بين المعرفة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة.

نظام ري ذكي، مراقبة رقمية للمياه، طاقة شمسية، زراعة مقاومة للجفاف والملوحة، إعادة استخدام آمن للمياه، حماية التنوع البيولوجي، تثمين المنتجات المحلية، وسياحة بيئية مسؤولة.

هذه ليست أحلاماً بعيدة.

إنها مجموعة سياسات يمكن تنفيذها تدريجياً إذا توفرت الإرادة والتمويل والتنسيق.

والدرس الأهم أن حماية واحة دوز لا تعني فقط حماية النخيل.

إنها تعني حماية الماء، والتربة، والاقتصاد المحلي، والذاكرة الثقافية، وفرص الأجيال القادمة في البقاء والتنمية.

فالصحراء لا تحتاج إلى أن تصبح أوروبا خضراء.

إنها تحتاج إلى أن تبقى صحراء حيّة، متوازنة، قادرة على احتضان الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى