نشاطات

ملخص محاضرتي. امس لطلبة الدراسات العليا. للناطقين بغيرها بعنوان: لماذا قال الله تعالى في القرآن الكريم : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ولم يقل: “جاءتكم”؟

الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

بعنوان: لماذا قال الله تعالى في القرآن الكريمءء : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ولم يقل: “جاءتكم”؟

مدخل المحاضرة

من أجمل خصائص العربية أن الكلمة لا تُختار اعتباطًا، بل يأتي كل حرف في موضعه بدقة.

ومن الآيات التي تثير انتباه متعلمي العربية قول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ…﴾
(سورة الممتحنة: 10)

وهنا يبرز سؤال لغوي:

لماذا قال القرآن: (جاءكم المؤمنات)، ولم يقل: (جاءتكم المؤمنات)، مع أن “المؤمنات” جمع مؤنث سالم؟

أولاً: القاعدة النحوية

يتعلم دارسو العربية أن:

إذا جاء الفعل قبل جمع المؤنث الحقيقي، جاز فيه الوجهان:

* جاء المؤمنات.
* جاءت المؤمنات.

وكلاهما عربي صحيح.

فلماذا اختار القرآن صيغة التذكير؟

هنا تبدأ أسرار البلاغة.

ثانياً: اللمحة البلاغية الأولى

ذكر عدد من المفسرين والبلاغيين عند بعض الآيات أن العرب قد تميل إلى تذكير الفعل مع الجمع في بعض السياقات، خاصة إذا كان المقصود جماعة محدودة أو إذا نُظر إلى الجمع بوصفه اسم جمع.

ومن أمثلة ذلك:

﴿وقال نسوة في المدينة﴾

فجاء الفعل مذكرًا مع كلمة “نسوة”.

بينما نجد في موضع آخر:

﴿قالت الأعراب آمنا﴾

فجاء الفعل مؤنثًا مع لفظ “الأعراب”.

وهذا يدل على أن اختيار الصيغة قد يرتبط بالسياق البلاغي، ولا يُختزل في قاعدة واحدة ثابتة.

تنبيه مهم للطلاب:

ليس من الدقة أن نقول:

“التذكير دائمًا للقلة، والتأنيث دائمًا للكثرة.”

فهذه ليست قاعدة عامة في العربية، وإنما هي توجيهات بلاغية ذكرها بعض العلماء في بعض المواضع.

ثالثاً: اللمحة التاريخية

نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية.

وكانت النساء المؤمنات اللاتي هاجرن من مكة إلى المدينة في بداية الأمر عددًا محدودًا.

ولهذا رأى بعض المفسرين أن اختيار الفعل المذكر قد ينسجم مع هذا السياق التاريخي.

وهذا وجه بلاغي محتمل، وليس قاعدة نحوية ملزمة

رابعاً: اللمحة البلاغية الأعمق

الهجرة في ذلك الزمن لم تكن رحلة عادية.

بل كانت المرأة:

* تترك وطنها.
* وتفارق أهلها.
* وربما تفارق زوجها.
* وتترك أموالها.
* وتسافر في طريق مليء بالمخاطر.

إنها تضحية عظيمة.

ولذلك رأى بعض أهل البلاغة أن التعبير بالفعل المذكر قد يحمل إيحاءً بالقوة والثبات والعزيمة، دون أن يكون المقصود تشبيه النساء بالرجال، وإنما تعظيم ما قمن به من بطولة وصبر.

فالقرآن يرفع من قدر هذا الموقف الإيماني، ويبرز قوة الإرادة التي تحلت بها المؤمنات.

ماذا نتعلم؟

نتعلم أن العربية لا تنظر إلى القواعد وحدها، بل تنظر أيضًا إلى:

* السياق.
* والمعنى.
* والمقام.
* والأثر البلاغي.

ولهذا قد يختار القرآن بين صورتين صحيحتين نحويًا، لأن إحداهما أبلغ في أداء المعنى المقصود.

نشاط للطلاب

السؤال الأول

أي الجملتين صحيحة؟

* جاء الطالبات.
* جاءت الطالبات.

الإجابة:

كلتاهما صحيحة إذا تقدم الفعل على الفاعل.

 

السؤال الثاني

لماذا اختار القرآن “جاءكم”؟

الإجابة النموذجية:

لأن التذكير هنا اختيار عربي فصيح، وقد حمل عند بعض المفسرين والبلاغيين دلالات سياقية وتاريخية وبلاغية، مع بقاء التأنيث أيضًا صحيحًا من جهة اللغة.

الخاتمة

إن أسرار التعبير في القرآن لا تقوم على مخالفة قواعد اللغة، بل على توظيف جميع إمكانات العربية في أعلى درجات البلاغة.

ولهذا نجد أن اختلاف حرف واحد قد يفتح أمامنا آفاقًا واسعة لفهم جمال النص القرآني، مع ضرورة التمييز دائمًا بين القاعدة النحوية الثابتة والوجه البلاغي أو التفسيري المحتمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى