مقالات

حين يبقى الرجل طفلًا في عيني أمه قراءة وجدانية في قصة من كتاب «رحلة حب» للدكتور علي بن مقبول العمري

د. سمير بن يحيى معبر أستاذ اللغويات بجامعة الملك عبد العزيز - متقاعد

ثمة حكايات نقرؤها فتمضي، وأخرى تستوقفنا قليلًا ثم تغادر ذاكرتنا، ولكن هناك حكايات لا تنتهي عند آخر سطر؛ لأنها لا تخاطب عقولنا فحسب، بل توقظ في أعماقنا مشاعر حسبنا أن الأيام قد أنضجتها، فإذا بها تعود طرية كما كانت في طفولتنا الأولى.

ومن هذه الحكايات قصة أوردها الدكتور علي بن مقبول العمري في كتابه «رحلة حب»، قصة تبدو في ظاهرها محتقرة، لا أحداث صاخبة فيها، ولا مفاجآت كبرى، لكنها تختزن من المعاني الإنسانية ما تعجز عن حمله صفحات طويلة من الحديث عن الحب والوفاء والرحمة.

إنها حكاية رجل جاوز الستين من عمره، لكنه لم يجاوز طفولته في قلب أمه.

ذهب الرجل ذات مساء لزيارة والدته التي تجاوزت الثمانين. جلس إليها يستأنس بحديثها، وتستأنس بحضوره، ومضى بهما الوقت حتى أرخى الليل سدوله، واشتد البرد، فآثر أن يبيت عندها.

ولعلها كانت ليلة عادية في حساب الأيام، لكنها لم تكن كذلك في حساب المشاعر.

نام الرجل مطمئنًا في بيت أمه، ذلك البيت الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يكون قويًّا أو كبيرًا أو مسؤولًا عن أحد؛ لأنه يعود فيه، مهما تقدمت به السنون، إلى صورته الأولى: طفلًا تحرسه عينا أمه، ويحتضنه قلبها.

وحين أقبل الفجر، نهض الرجل لأداء الصلاة، ثم عاد يبحث عن حذائه حيث تركه، فلم يجده.

بحث هنا وهناك، وأعاد النظر في المكان، ثم اتسعت دائرة البحث حتى عثر عليه أخيرًا بجوار المدفأة.

كان الحذاء دافئًا!

وهنا انكشفت الحكاية كلها في لحظة واحدة.

لقد كانت أمه العجوز، التي أثقلتها ثمانون سنة من العمر، قد وضعت حذاء ابنها بجوار المدفأة، حتى لا تؤذي قدميه برودة الصباح!

يا الله!

ثمانون عامًا لم تطفئ جذوة الأمومة، وستون عامًا لم تُخرج الابن من طفولته في قلب أمه!

تأملوا المشهد جيدًا.

امرأة أنهكتها السنون، وربما باتت خطواتها أثقل من ذي قبل، وحركتها أبطأ، وقوتها أقل، لكنها ما زالت تفكر في راحة ابنها، وتخشى على قدميه من برد الصباح.

لم تسأل نفسها: أليس رجلًا كبيرًا يستطيع أن يعتني بنفسه؟

ولم تقل: لقد أصبح أبًا وجدًّا، ولم يعد بحاجة إلى رعايتي.

فالأمومة لا تحسب الأعمار، ولا تقيس الحب بعدد السنين، ولا تعترف بأن الأبناء يكبرون حتى يستغنوا عن حنان أمهاتهم.

لقد رأى الناس في ذلك الرجل شيخًا وقورًا، ورأت فيه أمه طفلًا يحتاج إلى الدفء.

ورآه الآخرون رجلًا خبر الحياة، ورأته هي صغيرها الذي لا تزال تخشى عليه نسمة البرد.

وهنا تكمن عبقرية هذه الحكاية وجمالها؛ فليست البطولة فيها للرجل الذي وجد حذاءه، وإنما لذلك القلب الذي لم يتوقف عن العطاء، حتى حين أوشك الجسد أن يعجز عنه.

ما الذي يدفع امرأة في الثمانين إلى التفكير في تدفئة حذاء ابنها الستيني؟

ليس واجبًا اجتماعيًّا، ولا انتظارًا لمكافأة، ولا رغبة في ثناء.

إنه الحب في صورته الأنقى؛ الحب الذي لا يطلب شيئًا، ولا ينتظر مقابلًا، ولا يحتاج إلى من يذكّره بواجباته.

إنه ذلك السر العظيم الذي أودعه الله في قلب الأم، فجعلها ترى من حاجات أبنائها ما قد لا يرونه هم في أنفسهم.

ولعل أبلغ ما في هذه القصة أن الأم لم تلقِ على ابنها محاضرة في المحبة، ولم تحدثه عن تضحياتها، ولم تذكّره بما بذلته من أجله طوال عمرها.

لقد اكتفت بفعل صغير، لكنه كان أكبر من ألف خطاب.

وضعت حذاءه بجوار المدفأة.

فحسب.

وكم من المعاني العظيمة تختبئ في الأفعال الصغيرة!

إننا نخطئ حين نظن أن الحب لا يظهر إلا في المواقف الكبيرة، أو التضحيات الاستثنائية، أو الكلمات البليغة. فكثيرًا ما يسكن الحب الحقيقي في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد؛ في سؤال أم عن طعام ابنها، وفي انتظارها عودته، وفي دعائها له وهو لا يسمع، وفي حذاء تضعه بجوار المدفأة قبل أن يستيقظ.

ولذلك فإن أجمل ما في هذه الحكاية ليس دفء الحذاء، بل دفء القلب الذي فكر فيه.

وليس المشهد المؤثر أن الرجل عثر على ما فقده، بل أنه اكتشف، في لحظة خاطفة، كنزًا من الحنان ظل يرافقه ستين عامًا دون أن يدرك مداه.

وهنا يتسلل إلى النفس سؤال موجع:

كم من ألوان الحب تحيط بنا كل يوم، فلا ننتبه إليها إلا حين نفقد أصحابها؟

كم من أم تراقب أبناءها بعين المحبة، وتخفي قلقها خلف ابتسامة، وتمنحهم من وقتها وصحتها وراحتها، بينما يمضي الأبناء في زحام الحياة، يظنون أن هذا العطاء أمر طبيعي لا يستحق التوقف؟

وكم من ابن لا يكتشف عظمة أمه إلا حين يغيب صوتها، ويخلو مكانها، ويصبح مستحيلًا أن يسمع منها سؤالها الذي كان يراه عاديًّا: هل أكلت؟ هل استرحت؟ هل تشعر بالبرد؟

إن الأم لا تمنح أبناءها الحياة مرة واحدة يوم تلدهم، بل تظل تمنحهم منها كل يوم، شيئًا من صحتها، وشيئًا من وقتها، وشيئًا من روحها.

وحين نتأمل هذا الحنان الذي لا ينضب، ندرك شيئًا من الحكمة العظيمة في المنزلة التي جعلها الإسلام للأم، وفي اقتران الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله تعالى، وفي تكرار النبي ﷺ الوصية بالأم ثلاث مرات حين سئل عن أحق الناس بحسن الصحبة.

ولعل هذه القصة تفتح أمامنا بابًا آخر للتأمل؛ فذلك الحنان العظيم الذي تحمله الأم ليس إلا أثرًا من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيء. وإذا كان قلب مخلوق يستطيع أن يفيض بهذا القدر من الرأفة، فكيف برحمة الخالق سبحانه، وهو أرحم الراحمين؟

لقد أحسن الدكتور علي بن مقبول العمري في إيراد هذه الحكاية في كتابه «رحلة حب»؛ فهي تقدم معنى المحبة في صورة حية، وتدعونا إلى أن نقرأ الأمومة لا بوصفها علاقة قرابة فحسب، وإنما بوصفها مدرسة إنسانية في العطاء المجرد من الأنانية.

وأحسب أن أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الحكاية ألا نكتفي بالتأثر بها، بل أن نحول هذا التأثر إلى سلوك؛ أن نقترب من أمهاتنا أكثر، وأن نصغي إليهن أطول، وأن نمنحهن من وقتنا واهتمامنا ما يستحقه ذلك العمر الذي أنفقنه في رعايتنا.

فالأم لا تنتظر من ابنها أن يرد إليها ما قدمته؛ إنها تعلم أن ذلك مستحيل، لكنها تفرح بكلمة، وتسعد بزيارة، ويطمئن قلبها بصوت تسمعه، أو يد تمتد إليها بحنان.

وما أوجع أن نعرف قيمة هذه التفاصيل بعد أن تصبح ذكريات لا يمكن استعادتها!

وأعود إلى ذلك المشهد الصغير الذي بدأت منه الحكاية.

رجل في الستين، وأم في الثمانين، وحذاء بجوار المدفأة.

ثلاثة عناصر عادية، لكنها اجتمعت لتكتب واحدة من أبلغ رسائل الحب.

فالحذاء الذي وجد الرجل فيه دفء الصباح لم يكن مجرد حذاء، بل كان رسالة صامتة من قلب أمه تقول له:

كبرتَ يا بني في أعين الناس، لكنك لم تكبر في عيني.

وما دمتُ أتنفس، فسأظل أخشى عليك البرد، ولو غطى الشيب رأسك، وأحاط بك الأبناء والأحفاد.

وهكذا، قد يشيخ الإنسان في كل مكان، إلا في قلب أمه.

وقد تنحني ظهور الأمهات، وتضعف أبصارهن، وترتجف أيديهن، لكن شيئًا واحدًا فيهن يظل فتيًّا لا يشيخ:

ذلك القلب الذي لا يكف عن أن يكون أمًّا.

فيا من لا تزال أمه على قيد الحياة، لا تؤجل حبك، ولا تؤخر برك، ولا تدخر كلماتك الجميلة ليوم قد لا يأتي.

ويا من رحلت أمه، فإن باب البر لا يغلق برحيلها؛ فالدعاء لها، والصدقة عنها، وصلة من كانت تحبهم، وجوه من الوفاء تبقي أثرها حيًّا.

سلام على الأمهات، على قلوب لا تشيخ، وعلى حب لا تنتهي حكايته.

وسلام على ذلك الحذاء الدافئ الذي علّمنا أن أعظم الحب قد يسكن أصغر التفاصيل.
محبكم د. سمير معبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى