
كم هو جميل ذلك المشهد الذي يفيض تواضعاً وخشوعاً؛ حين وقف رجل بين يدي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليدعو بدعوة صادقة من قلب منكسر: «اللهم اجعلني من القليل»، فتعجب عمر واستفسر عن سرّ هذا الدعاء، فلما تلا عليه الرجل قول الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، أقرّ الفاروق بحكمة السائل، هازئاً بنفسه تواضعاً: «كل الناس أعلم من عمر».
إن لغة الأعداد في ميزان الحق لا تعكس بالضرورة حقيقة القيم؛ فالقلّة أحياناً تُكني عن عزة الإنسان وشموخه حين يقلّ نظيره، كما أنها قد تحمل دلالة على الانكسار. لكن، كم هو مؤلم وموحش أن نرى القرآن والسنة يرفعان من شأن “القليل المصلح”، ويحذّران من طغيان “الكثير الغافل”؛ فالله جلّ وعلا أثنى على القليل في مواضع النجاة، ومدح الصابرين الذين ما آمن معهم إلا نفر يسير، وجاء الحديث النبوي الشريف ليرسم لوحة الغربة المؤثرة: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء».
فلا العبرة بالكثرة الصاخبة التي تتبع الهوى، ولا الدلالة في العدد الهائل على نصرة الحقيقة؛ فغالباً ما يكون الكثرة في صفّ الباطل، بينما يتجلى النور الحقيقي حيث يسكن القليل الصادق، الذين يصلحون إذا فسد الناس.
وحين يتساءل اللبيب: كيف نجمع بين وصف المهديين بالقلة في مواضع، وبأنهم كثير في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾؟
يجيبنا التأمل العميق، بلسان الإمام الزمخشري ومن قبله بيت الشعر الخالد:
إن الكرام كثير في البلاد وإن قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
فأهل الهدى وإن قلّت أعدادهم عَرَضاً وقياساً إلى جحافل الضلال، إلا أنهم كثيرون في حقيقة البركة، وعظم الأثر، وسمو الغاية.. فلا تخشَ وحشة الطريق إن كنت مع القليل الصادق، فالعبرة بالحق لا بعدد السائرين.