الرئيسيةمقالات

الحبُّ انتصارُ الإنسان على قسوة العالم

د. علي موسى الموسوي

أحبّ لأنّ الحبّ يليق بك لا لأنّ العالم يستحقّه دائمًا بل لأنّك لا تريد للعالم بكلّ ما فيه من قسوة أن ينتزع منك أجمل ما فيك إنسانيتك

كأنّ الحبَّ لعبةٌ وجوديةٌ يخوضها اثنان غير أنّ نهايتها لا تُعلن فوز أحدهما بقدر ما تكشف هشاشة الإنسان أمام الفقد حين يمضي أحدهما ويبقى الآخر وحيدًا في مواجهة ذاكرةٍ لا تعرف الرحيل ومع ذلك يظلّ الحبّ أحد أعمق التجارب التي تنتشل الإنسان من وحدته الباردة، وتفتح له أبواب الحياة المشتركة وتمنحه دفءَ الروح حين يشتدّ برد العالم وليس الحبّ مجرّد عاطفةٍ عابرة ولا انفعالًا مؤقّتًا تذروه تقلّبات الأيام وإنّه طاقةٌ متجدّدة وقوّةٌ خلاّقة ومدرسةٌ إنسانية يتعلّم فيها العاشق لغةً لا تشبه أيّ لغةٍ أخرى لغةً تُتقنها الأرواح قبل أن تنطق بها الألسن وتفهمها القلوب دون حاجةٍ إلى ترجمان وفي رحابه نتعلّم كيف نتجاوز ضيق ذواتنا ونسمو بأنفسنا فوق العبث والابتذال العاطفي ونحصّن عقولنا من الضياع وأرواحنا من التبعثر وضمائرنا من القسوة التي تُفرغ الحياة من معناها والحبّ في جوهره فضيلةٌ تُعيد الإنسان إلى إنسانيّته كلّما أوشك أن يفقدها فهو يدٌ تمتدّ إلى المنكسرين حين تفقد أرواحهم شهية الحياة ونافذةٌ تُفتح للحالمين حين تتوارى المعاني خلف جدران اليأس وملاذٌ يجد فيه التائهون مأوىً حين تُغلق القلوب أبوابها في وجوههم إنّه دعوةٌ صامتة إلى النجاة ورسالةٌ نبيلة تقول لكلّ من أنهكته الحياة ما زال في هذا العالم متّسعٌ للطمأنينة وما زالت في الإنسان قدرةٌ على أن يكون سببًا في خلاص إنسانٍ آخر ولأنّ الحبّ قيمةٌ أصيلة فلا ينبغي أن يكون مشروطًا بالمقابل ولا أن يتحوّل إلى صفقةٍ تُقاس أرباحها بمقدار ما نأخذ فالحبّ الصادق ليس استثمارًا في الآخرين بل تعبيرٌ عن حقيقة أرواحنا وانتصارٌ لإنسانيتنا على أنانيتنا ولسموّ كينونتنا على نزعاتنا الغريزية وليس معنى ذلك أن نتخلّى عن كرامتنا أو نسمح للأذى بأن يستوطن حياتنا بل أن نحبّ دون أن نفقد أنفسنا وأن نعفو دون أن نمنح الظلم شرعية الاستمرار وإنّ أسمى مراتب الإنسان أن يتّسع قلبه للاختلاف وأن يرى في الآخرين بشرًا مهما تباينت طباعهم وتعدّدت مساراتهم فالمحبّة الحقيقية لا تعني أن نوافق الجميع ولا أن نبرّر أخطاءهم بل أن نحفظ للإنسان قيمته حتى حين نرفض سلوكه وأن نختلف دون أن نتحوّل إلى خصوم وأن نغادر دون أن نُلوّث أرواحنا بالحقد ولعلّ أعظم ما يكشف حقيقة الحبّ أنّه نقيضٌ للكراهية لا لأنّ القلب يعجز عن الشعور بهما معًا بل لأنّ كلًّا منهما يسعى إلى تشكيل الإنسان على صورةٍ مختلفة فالكراهية تضيق بالآخر حتى تتمنّى غيابه أمّا المحبّة فتتّسع له حتى وهي تعترف بحقّه في الاختلاف الأولى تُغلق النوافذ وتُحكم الأقفال والثانية تُبقي في الجدار نافذةً للضوء حتى حين تختار أن تبتعد
صدقني ليس في هذا العالم ما هو أيسر من الكراهية فهي لا تحتاج إلا إلى جرحٍ لم يلتئم أو كبرياءٍ أُسيء إليه أو فكرةٍ سوداء تجد في النفس مكانًا تستقرّ فيه أمّا الحبّ فيحتاج إلى روحٍ عظيمة وإلى شجاعةٍ تُقاوم الرغبة في الانتقام وإلى وعيٍ يدرك أنّ الردّ على القسوة بمثلها لا يُنهي دائرة الألم بل يوسّعها ويمنحها أعمارًا جديدة ولولا المحبّة لما ارتقى الإنسان من مجرّد الوجود إلى معنى الوجود ولما استطاع أن يجعل من ضعفه قوّة ومن ألمه حكمة ومن وحدته جسرًا يعبر عليه إلى الآخرين فالمحبّة ليست ترفًا وجدانيًا بل ضرورةٌ أخلاقية تحفظ فينا إنسانيتنا وتمنعنا من أن نصبح نسخًا أخرى ممّن آذونا لذلك لا تُبادل الكراهية بالكراهية ولا تسمح لظلام الآخرين أن يُطفئ النور الذي فيك واجه الإساءة برقيّك والغلظة بطيبتك والعداء باتّزانك لا لتكسب معركةً مع أحد بل لتنتصر على أسوأ ما يمكن أن تتركه المعارك في روحك كن طيّبًا لكن لا تكن مستباحًا متسامحًا لكن لا تكن غافلًا محبًّا لكن لا تنسَ أنّ لكرامتك حدودًا لا ينبغي لأحدٍ أن يتجاوزها فحين تواجه من يكرهك بطيبٍ صادقٍ لا تصنّع فيه فإنّك تضعه أمام مرآة نفسه فإمّا أن يراجع قسوته وإمّا أن يكشف لك عن حقيقةٍ تعينك على الابتعاد عنه بسلام وفي الحالتين تكون قد احتفظت بأثمن ما تملك نقاء روحك واتّزان عقلك وسلامك الداخلي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى