الرئيسية

الفِكْرِ في مَهَبِّ الخَوارِزْمِيّات: رِهاناتُ التعليمِ وصِناعةُ المُمَكِّناتِ مع أ.د. إسلام يوسف مع لقاء السبت للدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية

الأستاذة عيساوي فاطمة

في أُمْسِيَةٍ ثَقافِيَّةٍ يَتَسَامَى فيها العِلْمُ ويَتَضَوَّعُ منها شَذَى المَعْرِفَةِ، أَبْحَرَتْ «مُنَظَّمَةُ هَمْسَةِ سَماءِ الثَّقافَةِ الدَّوْلِيَّةِ» (منصة همسة نت) عبرَ برنامَجِها المَرْمُوقِ «لِقاءُ السَّبْتِ»، في المِنْطَقَةِ المَسْكُونَةِ بِأَسْئِلَةِ العَصْرِ؛ لِتَسْتَكْشِفَ آفاقَ «التعليم وصناعة المستقبل في عصر الذكاء الاصطناعي». وقد أَدَارَتْ هذا الحِوارَ الشَّائِقَ والمُثْرِيَ الدُّكْتُورَةُ فاطِمَةُ أبو واصل إغبارية (مديرة المنصة) بِمُشارَكَةِ المشرف العام للمنظمة، حيثُ اسْتَضَافَتْ قَامَةً لُغَوِيَّةً وتَرْبَوِيَّةً سامِقَةً؛ الخَبِيرَ والمُسْتَشارَ الدَّوْلِيَّ الأُسْتاذَ الدُّكْتُورَ إِسْلام يوسُف، الأُسْتاذَ في عِلْمِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ، والمُدَقِّقَ اللُّغَوِيَّ، والمُدَرِّبَ المُمَيَّزَ الحَاصِلَ على صَدَارَةٍ صَوْتِيَّةٍ متقدمة (المركز العاشر)، لِيَكُونَ هَذا اللِّقاءُ بَلْسَماً يَرْسُمُ مَعَالِمَ الخَارِطَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ الجَدِيدَةِ.

اسْتَهَلَّ الضَّيْفُ الكَرِيمُ الحِوَارَ بِالإِشادَةِ بِمَكانَةِ المُمَكِّنِ الأَوَّلِ —المُعَلِّمِ— مُعْرِباً عَنْ شُكْرِهِ وتَقْدِيرِهِ لإِدارَةِ المِنَصَّةِ، ثُمَّ أَمَاطَ اللِّثَامَ عَنْ لَبِناتِ مَسِيرَتِهِ العِلْمِيَّةِ الزَّاخِرَةِ؛ حيث تَخَرَّجَ في كُلِّيَّةِ «دارِ العُلُومِ»، ثُمَّ صَقَلَ خِبْرَتَهُ بِدِبْلُومٍ تَرْبَوِيٍّ رَصِينٍ، وحَصَلَ على دَرَجَةِ الماجِسْتِيرِ من جامِعَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وتُوِّجَتْ مَسِيرَتُهُ بِدَرَجَةِ الدُّكْتُوراه من جامِعَةِ حُلْوان. كما عاشَ في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ مُدَرِّباً ومُسْتَشاراً دَوْلِيّاً، حيثُ قَدَّمَ حِزْمَةً من الدَّوْراتِ التَّدْرِيبِيَّةِ التَّخَصُّصِيَّةِ التي جَمَعَتْ بينَ المَهارَةِ التَّرْبَوِيَّةِ والدِّقَّةِ اللُّغَوِيَّةِ.


وأَكَّدَ الأُسْتاذُ الدُّكْتُورُ إِسْلام يوسُف أنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ ليسَ ولِيدَ اللَّحْظَةِ، بَلْ تَكْمُنُ المِشْكِلَةُ في الفَجْوَةِ الهَيْكَلِيَّةِ؛ إذْ إنَّ بِنْيَةَ المَدارِسِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَطِرازَها العِمَارِيَّ والتَّنْظِيمِيَّ يَعُودانِ إلى عُقُودٍ خَلَتْ، ولا يَتَناسَبانِ مَعَ الثَّوْرَةِ التَّكْنُولُوجِيَّةِ المَتَسارِعَةِ. ولِذا فإِنَّ المَطْلُوبَ اليومَ هو تَغْيِيرُ المَناهِجِ وإِعادَةُ بناءِ الكَوادِرِ التَّرْبَوِيَّةِ بِمَا يَجْعَلُها مُتَقَبِّلَةً لِلتَّغْيِيرِ، ومُواكِبَةً لِلرَّقْمَنَةِ، مَعَ التَّأْكِيدِ على أنَّ الدُّعاءَ والتَّرْبِيَةَ الإِيمانيَّةَ يُمَثِّلانِ وسِيلَةَ تَوْجِيهٍ وأَمانٍ لأَبْنائِنا في ظِلِّ هذا التَّدَفُّقِ المَعْلُوماتِيِّ العارِمِ.
ومَعَ دُخُولِ التِّقْنِيّاتِ وشَبَكاتِ الإِنْتَرْنِتِ، طَرَحَتْ الدُّكْتُورَةُ فاطِمَةُ سُؤالاً جَوْهَرِيّاً حَوْلَ مَصِيرِ المِحْوَرِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، لِيُرَدِّدَ الضَّيْفُ المَقُولَةَ الخالِدَةَ: «مَنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ يَتَبَدَّدْ». ودَعا إلى تَطْوِيرِ أدَواتِ التَّقْيِيمِ والتَّحُوُّلِ من التَّحْضِيرِ الوَرَقِيِّ والاخْتِباراتِ النَّمَطِيَّةِ إلى اسْتِثْمارِ التِّقْنِيَةِ في أَتْمَتَةِ الِاخْتِباراتِ، لِيَنْتَقِلَ المُعَلِّمُ من دَوْرِ المَصْدَرِ الوَحِيدِ لِلْمَعْلُوماتِ إلى دَوْرِ «المَايِسْتْرُو» المَؤُوكَلِ إلَيْهِ مَهَمَّةُ التَّوْجِيهِ والمُشارَكَةِ في بِناءِ المَعْرِفَةِ.
ولِكَيْ يَكُونَ المُعَلِّمُ قَادِراً على مُواكَبَةِ التحولاتِ، بَيَّنَ الضَّيْفُ أنَّهُ لا بُدَّ من امْتِلاكِ حِزْمَةٍ من المَهاراتِ الأساسيةِ؛ وفي مُقَدِّمَتِها الكَفَاءَةُ الرَّقْمِيَّةُ وتَوْظِيفُ التِّقْنِيَةِ، والذَّكاءُ العَاطِفِيُّ للتَّواصُلِ والاحتِواءِ، والتَّحْلِيلُ التَّرْبَوِيُّ لِتَنْوِيعِ الاسْتِراتيجِيّاتِ. وفي ظلِّ كَثْرَةِ المُدَرِّبِينَ وتَزاحُمِ البَرامِجِ التدريبية، حَدَّدَ بَلْسَمَ العِلاجِ لِلْمَنْظُومَةِ التَّدْرِيبِيَّةِ عبر التَّعْرِيفِ الذّاتِيِّ الشَّفّافِ والمَصْداقِيَّةِ، وتَجَنُّبِ فِخاخِ الاهْتِمامِ بالشَّكْلِ على حِسابِ الجَوْهَرِ، وإِخْضاعِ الدَّوْراتِ والمُدَرِّبِينَ لِتَقْيِيمٍ ومِيادِينِ قِياسِ أثَرٍ دَوْرِيَّةٍ.
وغاصَ الأُسْتاذُ الدُّكْتُورُ في عُمْقِ المَيْدانِ التَّرْبَوِيِّ لِيَضَعَ اليَدَ على الجُرْحِ، مُشَخِّصاً التَّحَدِّياتِ الحَقِيقِيَّةِ التي تُعِيقُ العَمَلِيَّةَ التَّعْلِيمِيَّةَ؛ وعلى رأسِها الاحْتِراقُ الوَظِيفِيُّ الناجِمُ عن الضُّغُوطاتِ المَتَزايِدَةِ التي تُطْفِئُ شَهْوَةَ الإِبْداعِ لدى المعلم، ووجودُ مسؤولين وقياداتٍ يَفْتَقِرُونَ للكَرامَةِ والمَهَارَةِ الإِدَارِيَّةِ ممَّا يُدَمِّرُ طَاقَاتِ المُعَلِّمِينَ، إضافةً إلى الفَجْوَةِ الرقمِيَّةِ بَيْنَ جِيلِ المعلمينَ القديمِ والجِيلِ الجَدِيدِ المغْمُورِ بالتِّكْنُولُوجْيا، ممَّا يستدعي جَسْرَها بالاحتواءِ والتدريبِ.
ولَمْ يَغَفُلِ اللِّقاءُ عَنْ عُمْقِ الهُوِيَّةِ الثَّقافِيَّةِ واللُّغَوِيَّةِ؛ حيث عَبَّرَ الضَّيْفُ بِأَلَمٍ عَنْ واقِعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قائِلاً إنَّنا «نَحْتَرِقُ» لِمَا تَكَالَبَتْ عليه اللُّغاتُ، مُؤَكِّداً أنَّ الخَلَلَ ليسَ في لُغَتِنا —فَهِيَ لُغَةُ حَضارَةٍ وعُنْفُوانٍ— وإنَّما العَيْبُ في أَهْلِها الذينَ أَهْمَلُوا دَقائِقَها ورِعايَةِ جَلالِها. وأوضحَ أنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ يُعْتَبَرُ أَدَاةً مُمَازَةً في تَتَبُّعِ الأَخْطاءِ الإِمْلائِيَّةِ والنَّحْوِيَّةِ وأَتْمَتَةِ الفَهَارِسِ والمَرَاجِعِ، مِمَّا يُوَفِّرُ جُهْداً بَحْثِيّاً كَبِيراً.
وفي تعقيبِهِ على مداخلاتِ وتَعْلِيقاتِ المتابعينَ، أكَّدَ الدكتور إسلام يوسف أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ هو وسيلةٌ وليسَ غايةً، وأنَّ القيمةَ الحقيقيةَ تكمنُ في توظيفِهِ كمُساعِدٍ للبحثِ العلميِّ مقترناً بالأمانةِ والمسؤوليةِ الأخلاقيةِ؛ فالتقنيةُ خُلاصةٌ معنويةٌ تكتملُ بحُسْنِ الاستخدامِ البشريِّ والمسؤوليةِ العلميَّةِ. كما أثنى الضَّيْفُ ثناءً عَاطِراً على أسلوبِ وطريقةِ طرحِ الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، واصفاً إدارتَهَا للحوارِ بأروَعِ ما يكونُ في إدارةِ الجلساتِ الفكريةِ.
وقدَّمَ الأستاذُ الدكتور إسلام يوسف رؤيةً متفائلةً للتعليمِ العربيِّ داعياً إلى النظرِ إلى الجزءِ المليءِ من الكوبِ؛ حيثُ أوضحَ أنَّ المجتمعَ التعليميَّ العربيَّ أدركَ أهميةَ الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُشَكِّلُ فرصةً تاريخيةً لبناءِ الإنسانِ العربيِّ المسلمِ وتحقيقِ السبقِ الحضاريِّ، مؤكداً أنَّ الأمةَ تملكُ عقولاً قادرةً على تقديمِ الكثيرِ، ومُستشهِداً بشخصيةِ سيفِ الله المسلول خالد بن الوليد وبهرَةِ ذكائهِ العسكريِّ وخططِهِ المبهرةِ لبيانِ الأصالةِ والعبقريةِ في العقليةِ العربيةِ والإسلاميةِ.
ووجَّهَ الضَّيْفُ رسائلَ ثلاثيةَ الأبعادِ؛ فقال للمُعَلِّمِ: «لا تُعَلِّمْ بَلِ اصْنَعْ إِنْسَاناً»، وقال للطَّالِبِ مستصحِباً الحِكْمَةَ الخَالِدَةَ: «مَنْ جَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ زَرَعَ حَصَدَ»، وقال للمَسْؤُولِ: «ضَعِ المُعَلِّمَ في مَكَانِهِ الصَّحِيحِ، وَكُنْ ذَا مَبَادِئَ». كما بَيَّنَ أنَّ القرآنَ الكريمَ هو أعزُّ المناهجِ والكتبِ و«لا تَبْلَى عَجَائِبُهُ»، مستذكِراً شخصياتٍ تربويةً مؤثِّرةً كان لها الأثرُ في مسيرتِهِ؛ مثل الأستاذ محمد بلتاجي حسن، والكابتن صالح (صاحب قناة «موهبة وأفكار»).
وخَتَمَ الأستاذُ الدكتور إسلام يوسف كلمتَهُ بكلماتِ شُكْرٍ وعرفانٍ صادقةٍ لوَّحَ بها لصرحِ منظمة «همسة سماء الثقافة الدولية»، مُثمِّناً جهودَ قاماتِ الثقافةِ فيها وعلى رأسِهم المشرفُ العامُّ المهندس عبد الحفيظ إغبارية، ومُعرِباً عن بالغِ تقديرِهِ لرسالتِهم النبيلةِ في كونِهم جَسْراً للإبداعِ والثقافةِ، حيث أطلقَ مقولتهُ الثناءِيّةَ: «همساتُهم فوقَ المدائنِ تُرفَعُ»، وقَدَّمَ أَبْياتاً شِعْرِيَّةً مَنقُوشَةً بالودِّ والوفاءِ للمنظمةِ ومبدعِيهَا. لقد كانَ «لقاءُ السبتِ» عبر منصة «همسة نت» صرحاً فكرياً أضاءَ المشاعلَ أمامَ المعلمينَ والباحثينَ، مؤكداً أنَّ العبورَ إلى المستقبلِ يتطلبُ عقلاً نقديّاً، وهويةً راسخةً، وشغفاً لا ينطفئُ نحو التجديدِ.

الدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية

المهندس عبددالحفيظ إغبارية المشرف العام للبرامج
كاتبة المقال فاطمة عيساوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى