
في لقاء علمي وفكري حمل طابعًا تعريفيًا وتواصليًا، احتضن مسجد الهدى في العاصمة الإيطالية روما، أمس الجمعة 7 أغسطس 2026، ندوة تعريفية بمعهد «بيان» الإيطالي للدراسات الإسلامية والإنسانية، بمشاركة وفد من إدارة وأساتذة المعهد، وحضور عدد من أقطاب الجالية الإسلامية في روما، إلى جانب عدد من أبناء الجالية المهتمين بالتعليم الشرعي ومستقبل الأجيال المسلمة في أوروبا.

وجاءت الندوة في إطار التعريف برسالة المعهد وأهدافه وبرامجه التعليمية، وفتح مساحة مباشرة للحوار مع أبناء الجالية الإسلامية، والتعريف بطبيعة الدراسة وآليات الالتحاق بها، فضلًا عن الدور الذي يسعى المعهد إلى القيام به في إعداد جيل من أبناء المسلمين في أوروبا يمتلك أدوات العلوم الشرعية والإنسانية، إلى جانب القدرة على التواصل مع المجتمع الأوروبي بلغته وثقافته.

وضم وفد معهد «بيان» الدكتور أنور النهمي، رئيس المعهد، والدكتور سمير الشميري، مدير المعهد، والدكتور عبد الرازق الملاهي، المدير الأكاديمي، والدكتور نجيب البارد، الأستاذ وعضو هيئة التدريس بالمعهد.
وأدار الندوة فضيلة الشيخ محمد بن محمد، إمام مسجد الهدى، بحضور ومشاركة عدد من الشخصيات البارزة في الجالية الإسلامية بالعاصمة الإيطالية، من بينهم الحاجة السيدة زينب محمد، رئيس مسجد الهدى في روما، والأستاذ أحمد فال، رئيس جمعية الجالية الإسلامية في روما، والشيخ سامي سالم، إمام مسجد الفتح في روما، إلى جانب عدد من أبناء الجالية.
الشيخ محمد بن محمد: يوم مبارك لاستضافة هذه الكوكبة من العلماء والأساتذة
وفي افتتاح الندوة، رحّب فضيلة الشيخ محمد بن محمد، إمام مسجد الهدى، بأعضاء وفد معهد «بيان»، معربًا عن سعادته باستضافة هذه الكوكبة من العلماء والأساتذة في مسجد الهدى.
وأكد الشيخ محمد أن اللقاء يمثل مناسبة طيبة ويومًا مباركًا للمسجد والجالية الإسلامية في روما، لما يتيحه من فرصة للتعرف بصورة مباشرة على أحد المشاريع العلمية التي تستهدف أبناء المسلمين في أوروبا، وما يمكن أن يقدمه من إسهام في مجال التعليم الشرعي وإعداد الأجيال الجديدة.
وعقب كلمته الافتتاحية، أتاح المجال للدكتور أنور النهمي، رئيس المعهد، لتقديم عرض حول نشأة المعهد وأهدافه ورؤيته التعليمية.
النهمي: نهدف إلى إعداد جيل من أبناء الجيلين الثاني والثالث لحمل رسالة الدعوة
وفي كلمته، استعرض الدكتور أنور النهمي أهداف معهد «بيان»، موضحًا أن أحد أبرز الأهداف يتمثل في إعداد جيل من أبناء المسلمين من الجيلين الثاني والثالث في أوروبا، وتأهيلهم لحمل رسالة الدعوة، والمساهمة في سد النقص الموجود في أعداد الأئمة والمرشدين بالمراكز الإسلامية في إيطاليا.
وأشار إلى أن المعهد يسعى إلى تقديم العلوم الشرعية للطلاب بصورة تتناسب مع متطلبات العصر الحالي، مع إعدادهم ليكونوا قادرين على مخاطبة المجتمع الأوروبي والتفاعل معه، ليس فقط من خلال امتلاك المعرفة الشرعية، وإنما أيضًا من خلال إتقان لغة المجتمع وفهم ثقافته وطبيعته.
وأوضح أن الدور الذي يقوم به معهد «بيان» يأتي استكمالًا لما تقوم به المراكز الإسلامية من جهود في إعداد أبناء الجيل الثاني من المسلمين، من الشباب والفتيات، إعدادًا دينيًا صحيحًا، وتعليمهم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم.
وبيّن أن المعهد يتولى بعد ذلك استكمال هذا البناء العلمي من خلال الانتقال بالطلاب إلى مرحلة دراسة بقية العلوم الشرعية والإنسانية، بما يمنحهم تكوينًا علميًا أكثر شمولًا، ويساعدهم على التعامل مع واقعهم الأوروبي بصورة واعية ومتوازنة.
الدراسة باللغة العربية.. والربط بين الأصالة ومتطلبات العصر
وتناول رئيس المعهد طبيعة الدراسة والمواد التي يدرسها الطلاب، والتي تشمل العلوم الفقهية والشرعية إلى جانب اللغة العربية، مؤكدًا أهمية دراسة العلوم الشرعية باللغة العربية.
وأوضح النهمي أن اللغة العربية تمثل وعاءً أساسيًا للعلوم الشرعية، وأن دراسة هذه العلوم لا ينبغي أن تنفصل عن لغتها الأصلية، بما يتيح للطالب الوصول إلى المصادر وفهم النصوص بصورة أدق.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن المعهد يسعى إلى تقديم هذه العلوم بما يتناسب مع واقع الطلاب وظروفهم في أوروبا، مؤكدًا أن الهدف ليس الفصل بين الأصالة ومتطلبات العصر، وإنما الجمع بينهما بصورة تحقق للطالب تكوينًا علميًا راسخًا وقدرة على التعامل مع واقعه المعاصر.

الشميري: ثلاث سنوات للدراسة.. و70% من التعليم عن بُعد
من جانبه، تحدث الدكتور سمير الشميري، مدير معهد «بيان»، عن آليات التقديم وطبيعة الدراسة والنظام التعليمي المعتمد في المعهد.
وأوضح أن البرنامج الدراسي يمتد على مدار ثلاث سنوات دراسية، يحصل الطالب بعدها على شهادة إجازة في العلوم الشرعية، بما يؤهله للعمل في مجال الإمامة أو الإرشاد، وفقًا للمتطلبات والأنظمة المعمول بها.
وأشار إلى أن المعهد أنهى بالفعل تخريج الدفعة الأولى من طلابه، بينما يستعد حاليًا لتخريج الدفعة الثانية، في إطار مسيرة تعليمية يسعى المعهد من خلالها إلى بناء كوادر علمية قادرة على خدمة المراكز الإسلامية والمجتمعات المسلمة في أوروبا.
وبيّن الشميري أن نظام الدراسة يعتمد بصورة كبيرة على التعليم عن بُعد، بنسبة تصل إلى 70%، فيما تمثل الدراسة الحضورية المباشرة نحو 30% من البرنامج، وهو نظام يستهدف تحقيق قدر من المرونة للطلاب المقيمين في مناطق ومدن مختلفة، مع الحفاظ على اللقاء المباشر والتواصل الأكاديمي.

الملاهي: أبواب المعهد مفتوحة للجميع.. والإقامة والإعاشة للطلاب القادمين من خارج فيرونا
أما الدكتور عبد الرازق الملاهي، المدير الأكاديمي للمعهد، فركز في حديثه على أهمية إقبال أبناء المسلمين في أوروبا على دراسة العلوم الشرعية، وحث الشباب والفتيات على الاستفادة من الفرصة التي يوفرها المعهد.
ودعا الملاهي أبناء الجالية المسلمة إلى الاهتمام بالتكوين العلمي الشرعي، باعتباره أحد المسارات المهمة في الحفاظ على الهوية الإسلامية ونشر المعرفة الدينية، مؤكدًا أن المعهد يفتح أبوابه أمام الراغبين في الدراسة.
وأوضح أن الطلاب القادمين إلى المعهد من خارج مدينة فيرونا تتوفر لهم خدمات الإقامة والإعاشة، ويتكفل المعهد بها، بما يسهل على الطلاب الراغبين في الدراسة من مدن أخرى الالتحاق بالبرنامج والاستمرار فيه.
وأشار إلى أن الرسوم الدراسية تبلغ 1500 يورو سنويًا، ويتم سدادها على ستة أقساط، بما يتيح للطلاب تنظيم التزاماتهم المالية على مدار العام الدراسي.

نجيب البارد: المعهد يخطو خطوات متقدمة.. ولا يضع حدًا أقصى للعمر
بدوره، تحدث الدكتور نجيب البارد، الأستاذ وعضو هيئة التدريس بمعهد «بيان»، عن تجربة المعهد في مجال التعليم والتكوين العلمي، مؤكدًا أن المؤسسة تخطو خطوات متقدمة في مسار الدراسة والتعلم.
وأشار إلى أن المعهد لا يضع حدًا أقصى للعمر أمام الراغبين في الدراسة، موضحًا أن أبوابه لا تقتصر على فئة عمرية محددة، وأن من بين الطلاب من تجاوزوا سن الستين، وهو ما يعكس، بحسب حديثه، إتاحة المجال أمام كل من يرغب في تحصيل العلم الشرعي وتطوير معارفه.

نقاشات وأسئلة حول الدراسة والحداثة والسن والتعاون مع الجامعات الإيطالية
وشهدت الندوة بعد الكلمات التعريفية مساحة مفتوحة للنقاش والأسئلة، حيث طرح الحضور عددًا من الاستفسارات المتعلقة بطبيعة الدراسة والمناهج وشروط الالتحاق، إلى جانب مستقبل المعهد وعلاقاته بالمؤسسات الأكاديمية الإيطالية.
وشارك موقع همسا نت في الحوار، مشيدًا بأهداف المعهد والرسالة التي يحملها تجاه أبناء الجالية المسلمة في إيطاليا، وما يمكن أن يمثله من إضافة في مجال التعليم الشرعي وإعداد الكوادر العلمية.
وطرح الموقع تساؤلًا حول طبيعة المناهج التي يقدمها المعهد، وما إذا كانت تعتمد على الكتب والمناهج التراثية أم تواكب المناهج الحديثة.
وفي رده على السؤال، أوضح الدكتور أنور النهامي أن مفهوم «الحداثة» في حد ذاته يعد من المصطلحات الحديثة، مؤكدًا أن توجه المعهد يقوم على الجمع بين الأصالة والحداثة، بحيث لا يتم التخلي عن الأسس العلمية والتراثية للعلوم الشرعية، وفي الوقت نفسه يتم تقديمها بما يتناسب مع العصر والواقع الذي يعيش فيه أبناء المسلمين في أوروبا.
كما طرح موقع همسا نت سؤالًا آخر حول السن الأدنى للالتحاق بالمعهد، وجاءت الإجابة بأن المعهد يلتزم بالمعايير الأوروبية المتعلقة بالدراسة، والتي تشترط حصول الطالب على شهادة الثانوية العامة أو البكالوريا، وألا يقل عمره عن 18 عامًا.
وفي هذا السياق، أوضح القائمون على المعهد أن عدم وجود حد أقصى للعمر لا يعني عدم وجود شروط للالتحاق، وإنما يظل الحد الأدنى والمتطلبات التعليمية محددة وفقًا للمعايير المعتمدة.
كما تطرق النقاش إلى طبيعة العلاقات الأكاديمية التي تربط معهد «بيان» بالجامعات الإيطالية، وما إذا كان هناك تعاون قائم بين الجانبين.
وفي الإجابة، أشار ممثلو المعهد إلى وجود تعاون بالفعل مع عدد من الجامعات الإيطالية، موضحين أن المعهد دخل في إطار من التعاون مع ثماني جامعات إيطالية، في خطوة تعكس سعيه إلى تعزيز حضوره الأكاديمي والانفتاح على المؤسسات التعليمية في البيئة الأوروبية.
تفاعل واسع من أبناء الجالية
وعكست المناقشات التي شهدتها الندوة اهتمامًا واضحًا من أبناء الجالية الإسلامية في روما بالتعليم الشرعي، وبمستقبل المؤسسات التعليمية الإسلامية في أوروبا، خاصة في ظل الحاجة إلى إعداد كوادر من أبناء الجيل الجديد تمتلك المعرفة الشرعية، وفي الوقت نفسه تستطيع التواصل مع المجتمعات الأوروبية وفهم خصوصيتها الثقافية والاجتماعية.
كما أظهرت الأسئلة والمداخلات اهتمامًا خاصًا من الحضور بالتفاصيل العملية للدراسة، من شروط الالتحاق ونظام التعليم، إلى الرسوم الدراسية والإقامة للطلاب القادمين من خارج فيرونا، فضلًا عن طبيعة الشهادة التي يحصل عليها الطالب بعد إتمام البرنامج.
وأكد المشاركون في الندوة أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات التعريفية التي تفتح قنوات التواصل المباشر بين المؤسسات العلمية وأبناء الجاليات المسلمة، وتمنح الأسر والشباب فرصة للتعرف على البرامج التعليمية المتاحة أمامهم بصورة مباشرة.
«بيان».. مشروع لتعزيز التعليم الشرعي في أوروبا
وفي ختام الندوة، أكد الحضور أهمية الدور الذي يسعى معهد «بيان» إلى القيام به في مجال التعليم الإسلامي في إيطاليا، خاصة فيما يتعلق بإعداد جيل جديد من الأئمة والمرشدين من أبناء المسلمين المقيمين في أوروبا.
كما حظيت الندوة بتفاعل وصدى لافتين بين أبناء الجالية الإسلامية في روما، في ظل ما أثارته من نقاشات حول التعليم الشرعي، والهوية الإسلامية، ودور اللغة العربية، وكيفية الجمع بين الأصالة ومتطلبات الحياة الأوروبية المعاصرة.
وتبرز أهمية مشروع معهد «بيان»، وفق ما طُرح خلال اللقاء، في محاولته بناء جسر بين التكوين الشرعي الأصيل والواقع الأوروبي المعاصر، من خلال إعداد طلاب يمتلكون أدوات العلوم الإسلامية، ويتقنون اللغة العربية، ويمتلكون في الوقت ذاته القدرة على التواصل مع مجتمعاتهم الأوروبية بلغتها وثقافتها.
وتأتي الندوة التي استضافها مسجد الهدى في روما لتفتح مساحة جديدة للتعريف بهذا المشروع، ولتعزيز التواصل بين المعهد وأبناء الجالية الإسلامية، في خطوة تعكس تنامي الحاجة إلى مؤسسات تعليمية قادرة على إعداد أجيال جديدة من المسلمين في أوروبا، تجمع بين العلم والهوية والانفتاح الواعي على المجتمع.




