هوس المدرجات وعمر يفوت – بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

تحولت كرة القدم العالمية في عصرنا الحاضر من مجرد لعبة رياضية للترويج والترويح المباح إلى ظاهرة تستعبد القلوب وتستنزف العقول والأنعام، حيث نرى وجوهاً شاخصة وقلوباً واجفة تنبض مع كل ركلة وتتحسر مع كل فرصة ضائعة في مدرجات وخلف شاشات تسرق من الأمة أثمن ما تملك من وقت لآخر الليالي. لقد علق الكثيرون قلوبهم بأسماء ولاعبين لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً، وبذلوا في سبيل ذلك الشغف أوقاتاً لا تعود وأموالاً طائلة تُنفق بالملايين على لافتات المعجبين وطقوس الاحتفال الطائشة، في وقت تمر فيه السنون كلمح البصر وتزداد فيه الغفلة التي تجعل من الفوز والخسارة في ملعب مستطيل معياراً وحيداً للولاء والبراء والفرح والحزن.
هذا الانغماس الشديد يعيدنا إلى التأمل في حقيقة وجودنا، ويذكرنا بقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، وهو تنبيه رباني يضع هذه المظاهر في حجمها الحقيقي أمام زوال الدنيا ومتاعها الزائف. كما يتجلى واقع هذه الحشود اللاهية في تحذير آخر من الغفلة وضياع العمر حيث قال تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم، لتستيقظ القلوب المؤثرة وتدرك خطورة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إن هذا الهدر للأعمار والأموال يقابله حساب دقيق ينتظر العبد بين يدي ربه، فقد نبهنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى عظم المسؤولية بقوله لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما يتحول الإعجاب بهؤلاء اللاعبين إلى حب عميق وتعلّق بالقدوات، وهنا يبرز الحديث النبوي الشريف الذي يرجف القلوب حين قال صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت، وهو ميزان دقيق يدعو كل مسلم لمراجعة قلبه ومكمن حبه وإعجابه، هل يرفعه لأهل الصلاح والبناء أم لاهين غافلين.
فإن المشاهدة المعتدلة المقترنة بالترويح عن النفس ليست محرمة في أصلها، ولكن الأزمة الكبرى تكمن في الغلو والتبذير المليوني الذي يغيب الوعي ويصنع من اللاعبين قبلة للتمجيد. إن الحياة أقصر من أن تُهدر خلف الشاشات، والمال أثمن من أن يُبعثر في لافتات واحتفالات لا تسمن ولا تغني من جوع، فالواجب يقتضي أن يستدرك العاقل نفسه ويوازن حياته قبل أن يباغته الأجل ويسأل عن عمره فيم أفناه.


