مقالات
نحن لا نضيع الوقت… نحن نضيع أنفسنا
بقلم: د. فاطمة أبوواصل إغبارية — كاتبة وباحثة في علم الاجتماع الثقافي

لسنا مشغولين… نحن هاربون.
نهرب من الجلوس مع أنفسنا، ومن مواجهة فراغنا، ومن رؤية ما آلت إليه علاقاتنا، فنختبئ خلف كلمة “الوقت”.
نقول لا وقت لدينا، لكن لدينا ساعات للشاشات، وأيامًا للتسوق، وأعمارًا للركض وراء أشياء لا نحبها، ولا نعرف لماذا نريدها أصلًا.
ثم نتساءل بدهشة مصطنعة: لماذا أولادنا وحيدون؟ لماذا العلاقات باردة؟ لماذا الأخ لا يعرف أخاه؟ لماذا نشعر أننا نعيش كثيرًا ولا نحيا؟
لأننا ببساطة اخترنا كل شيء… إلا الإنسان.
اخترنا السرعة بدل العمق، والكم بدل المعنى، والمظهر بدل الجوهر، والإنجاز بدل التربية، والنجاح بدل الرحمة.
فصنعنا عالمًا متطورًا تقنيًا، مفلسًا إنسانيًا، ثم وقفنا أمامه متذمرين كأننا لم نكن مهندسيه.
الشباب اليوم يُتركون في سوق مفتوحة بلا بوصلة؛ يُقال لهم: كونوا ناجحين، مشهورين، سريعين، لكن لا يُقال لهم: كونوا متصلين، ثابتين، منتمين. ثم نلومهم لأنهم ضائعون.
والأسرة، التي كانت حصن الإنسان الأول، تُختزل في سقف وطعام وإنترنت. لا وقت للجلوس، لا وقت للسؤال، لا وقت للحكايات. ثم نشتكي لأن أبناءنا لا يحكون لنا شيئًا.
والمربون يُطلب منهم أن يُنهوا المنهاج لا أن يُنقذوا الإنسان؛ أن ينجزوا لا أن يُربّوا؛ أن يملأوا الذاكرة لا أن يبنوا الضمير.
وصنّاع القرار يتحدثون عن النمو والمؤشرات، ولا يسألون لماذا ينمو كل شيء إلا الطمأنينة، ولماذا ترتفع الأرقام بينما ينهار الداخل.
نحن لا نعيش أزمة زمن، نحن نعيش أزمة شجاعة: شجاعة الاعتراف بأننا أخطأنا الطريق، وأن ما سميناه تقدمًا كان أحيانًا انسحابًا بطيئًا من إنسانيتنا.
كفّوا عن لوم العصر — فهو ابن اختياراتكم. كفّوا عن شتم الجيل — فهو صورتكم المؤجلة. كفّوا عن السؤال أين الخلل فالخلل في ما نقدسه، وفي ما نُهمشه، وفي ما نضحي به كل يوم ثم نبكيه ليلًا.
عودوا. لا لأن الماضي أجمل، بل لأن الإنسان فيه كان أوضح.
عودوا إلى بيوت فيها جلسات لا شبكات، وإلى علاقات فيها وقت لا رسائل،وإلى تربية فيها حضور لا رقابة،
وإلى نجاح فيه معنى لا فقط مال.
قبل أن يصبح الأخ غريبًا, والابن مشروع سفر، والأم صوتًا في تسجيل، والبيت مكانًا لا ذاكرة.
في ختام حديثي أقول لكي لا يسبقنا الوقت مرة أخرى
بعد كل هذا، لا يبقى السؤال: من المخطئ؟ بل: من يبدأ؟
ولأننا نحن من صنع هذا الإيقاع القاسي، فنحن وحدنا القادرون على كسره — لا بالثورات، بل بتغييرات صغيرة صادقة تعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي في الحياة.
أول ذلك أن نمنح يومنا مساحة إنسانية حقيقية، ولو ساعة واحدة بلا شاشة ولا مقاطعة؛ ساعة يُسمع فيها الصوت، ويُرى فيها الوجه، ويُستعاد فيها الشعور بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم.
وثانيه أن نعيد للعلاقات موعدها الثابت، لا حين يتسع الوقت، بل لأن الوقت لا يتسع إلا لما نقرره مهمًا: زيارة أسبوعية، جلسة عائلية، أو حتى اتصال طويل يعيد وصل ما بدأ يبهت.
وثالثه أن نُقدّم التربية على الإنجاز؛ فنربّي الإنسان قبل أن نُدرّبه، ونسأل أبناءنا كيف يشعرون قبل أن نسألهم ماذا حققوا، لأن القلوب المُهملة لا تنجح، بل تتصلّب فقط.
ورابعه أن نُعيد تعريف النجاح، لا بوصفه سباقًا بلا نهاية، بل حياة يمكن العيش فيها دون خسارة الذات، ودون التضحية بالعلاقات على مذبح السرعة.
وخامسه — وربما أهمّه — أن لا ننتظر أحدًا: أن نبدأ نحن.
نحن من يتصل، نحن من يبادر، نحن من يعتذر، نحن من يزور، نحن من يكسر هذه البرودة التي صنعناها ثم اشتكينا منها.
هكذا فقط يمكن أن يعود الإنسان إلى الإنسان،ويعود الوقت إلى إيقاعه الطبيعي،وتعود الأيام قابلة لأن تُعاش لا فقط أن تُستهلك. عندها لا يسبقنا الوقت…ولا نفقد بعضنا، ولا نحتاج أن نكتب عن الفقد، لأننا لا نعيشه

