الرئيسيةمقالاتمنظمة همسة سماء

الأحداث المتسارعة في العالم: هل نحن أمام فوضى أم إعادة تشكّل حضاري؟”قراءة تحليلية حضارية في زمن السيولة العالمية

المؤلفة: الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية سنة الكتابة: 2026

مقدمة تأملية

في عالم يركض بسرعة تفوق القدرة على الفهم، يبدو كل شيء متحرّكًا، وكل يقين يتبدّد. تتغيّر الأشياء قبل أن نعتاد عليها، وتتبدّل المعاني قبل أن نستقر فيها. بين الخوف من الضياع وإمكانية الاكتشاف، يقف الإنسان أمام سؤال واحد: هل نغرق في الفوضى أم نولد من جديد، أعمق فهمًا وأكثر إدراكًا لمعنى وجودنا؟

المقال

لم يعد العالم يتحرّك وفق منطق التحوّل التدريجي، بل وفق منطق القفزات المتلاحقة. فالتغيير لا ينتظر اكتمال الوعي به، والحدث لا يمنح الزمن فرصة للفهم قبل أن يولّد حدثًا آخر. نحن نعيش زمنًا لا تتراكم فيه الخبرة بقدر ما تتراكم فيه التحوّلات، ولا تُبنى فيه المعاني بقدر ما تُستهلك.

في هذا السياق، يتردّد سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره:

هل ما نعيشه هو فوضى عالمية، أم أننا نشهد انهيار نموذج وبروز آخر لم تتشكّل لغته بعد؟

1. من انهيار الثبات إلى انهيار فكرة الثبات

ليست الأزمة في تغيّر العالم، بل في تغيّر علاقته بالثبات. فما كان يُعدّ ثابتًا — المعرفة، العمل، الهوية، الزمن، المكان، القيم — صار متحرّكًا، وما كان يُعدّ إطارًا صار محتوى مؤقتًا. لم يعد الإنسان يعيش داخل منظومات، بل داخل عمليات؛ ولم يعد ينتمي إلى هويات، بل إلى حالات. لم يعد يسكن العالم، بل يمرّ عبره.

وهذا التحوّل من “الوجود داخل بنية” إلى “الوجود داخل حركة” هو ما يولّد الشعور العميق بالقلق، لأنه يسحب من الإنسان إحساسه الجذري بالأرضية

2. السيولة بوصفها بنية لا حالة

ما نسمّيه فوضى ليس غياب النظام، بل حضور نوع جديد من النظام لا يشبه ما ألفناه. نظام بلا مركز، بلا سردية كبرى، بلا مرجعية جامعة. سيولة تشمل المعرفة، والهوية، والزمن، وتُنتج قلقًا بقدر ما تُنتج إمكانًا.

نحن أمام سيولة حضارية تشمل:
  • سيولة المعرفة (لم تعد الحقيقة مستقرة، بل متغيرة حسب السياق).
  • سيولة الهوية (لم يعد الإنسان شيئًا واحدًا، بل طبقات متعددة).
  • سيولة الزمن (الحاضر يلتهم الماضي قبل أن يتحوّل إلى ذاكرة).

السيولة ليست فوضى، لكنها ليست استقرارًا أيضًا. إنها نمط وجود انتقالي، هش، سريع، قابل لإنتاج القلق بقدر ما هو قابل لإنتاج الإمكان

3. من فقدان السيطرة إلى فقدان المعنى

الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الإنسان لم يعد يسيطر على العالم، بل في أنه لم يعد يفهم لماذا يفعل ما يفعل. حين ينفصل الفعل عن الغاية، والتقدّم عن الحكمة، والتغيير عن القيمة، تتحوّل الحركة إلى دوران بلا اتجاه.

وهنا تبدأ الفوضى — لا بوصفها انهيار النظام، بل بوصفها انهيار المعنى

4. مخاض لا انهيار

كل انتقال حضاري كبير يبدو من الداخل انهيارًا. لكن التاريخ يُظهر أن الإنسان لا يسقط في الفراغ، بل ينتقل من سردية إلى سردية، ومن معنى إلى معنى، ومن تصور للذات إلى تصور آخر.

5. من نصبح أهم مما يحدث

السؤال ليس ماذا يحدث، بل من نصبح نحن في قلب ما يحدث. هل نتحوّل إلى مستهلكي واقع، أم إلى صانعي معنى؟ إلى متلقّي سرعة، أم إلى مؤطّريها أخلاقيًا ومعرفيًا؟

السؤال الحقيقي ليس ماذا يحدث، بل من نصبح

الأحداث ليست هي المسألة، بل الأثر الذي تتركه في صورة الإنسان عن نفسه.

هل نصبح كائنات تلهث خلف التغيير، أم كائنات قادرة على تأطيره؟

هل نتحوّل إلى مستهلكي واقع، أم إلى صانعي معنى؟

الفوضى ليست قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة غياب الوعي. والتحوّل ليس خلاصًا تلقائيًا، بل مشروعًا يتطلب أخلاقًا، ومعرفة، وبصيرة، ومسؤولية

خاتمة

لسنا على حافة الفوضى بقدر ما نحن على حافة إعادة تعريف الإنسان في العالم. الفرق بين الانهيار والمخاض ليس في حجم الألم، بل في اتجاهه: هل يُفككنا أم يُعيد تشكيلنا؟

إن امتلكنا شجاعة التفكير، وبصيرة النقد، وأخلاق المعنى، يمكن لهذا العصر أن يكون أخطر العصور… وأكثرها إمكانًا في آن.

أما إن تركنا السرعة تقود وحدها، بلا وعي، ولا معنى، ولا سؤال، فحينها فقط تتحوّل السيولة إلى غرق

🔒 حفظ الحقوق

© جميع الحقوق الفكرية والأدبية محفوظة للدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية.

لا يجوز نسخ هذا النص أو إعادة نشره أو اقتباسه أو استخدامه جزئيًا أو كليًا بأي وسيلة كانت دون إذن خطي صريح من المؤلفة.

يُعدّ هذا العمل نتاجًا فكريًا أصليًا محميًا وفق قوانين حقوق الملكية الفكرية المعمول بها.

اسم العمل: الأحداث المتسارعة في العالم: هل نحن أمام فوضى أم إعادة تشكّل حضاري؟

المؤلفة: الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

سنة الكتابة: 2026

إغلاق