مقالات

شيوخ المؤامرة / محمد أبو الغيط

 

علي جمعة وزغلول النجار

خلال أيام قليلة ظهر خطابان متشابهان من طرفين مختلفين، هما الدكتور زغلول النجار، أحد رواد “الإعجاز العلمي في القرآن”، وأحد مؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي، والشيخ علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، والداعم للنظام المصري الحالي.
ظهر النجار على شاشة قناة الجزيرة مباشر، ليتحدّث عن فيروس كورونا المستجد، بوصفه قد يكون “إحدى صور الحرب البيولوجية التي تخطط لها القوى الكبرى”، وحين استوقفه المذيع ليسأل كيف يكون مؤامرة بينما تضرّرت به الدول الكبرى نفسها أشد الضرر؟ أجاب زغلول بطريقته المعهودة في اللامنهجية العلمية: “توجد كتابات كثيرة على أن ما يحدث هو مؤامرة، وأن الدول الكبرى تطوّر من الأسلحة، ويتخيلون أن لهم أن يفنوا نصف الكرة الأرضية ليتمتعوا هم بباقي ثروات هذا الكوكب”. طبعاً هو هنا لا يخبرنا ما هي هذه “الكتابات”، ومن كتّابها، ولماذا يرى لها وجاهة، يكفي أن يُطلق معلومة غائمة، ويغلّفها بجدار كثيف من التحليل والوعظ.
في الجانب المقابل، وعلى شاشة “دي إم سي” المملوكة للأجهزة الأمنية المصرية، أطل الشيخ علي جمعة، ليقول إن “المحققين من العلماء وجدوا أن وباء الإنفلونزا الإسبانية جاء عام 1918 من اختلال كهرومغناطيسية الأرض لشيوع الكهرباء، وأن هذا ما يحدث اليوم، حيث نشأ فيروس كورونا من شبكات الجيل الخامس للمحمول”. ثم يعقب “البعض قال إنه مخلّق داخل المعامل، أو أن له سلالتين أو ثلاثاً، الإيطالية والنمساوية والإنكليزية، أو أنه جزء من الحرب البيولوجية، كل هذا قد يكون صحيحاً، لكن لماذا ينتشر بهذه القسوة؟ ولماذا هُيئت له الأجواء من غير قصد؟ لأن القصد كان الوصول إلى شبكة الفايف جي”.
يقدم خطاب المؤامرة حلاً سياسياً سحرياً، فبدلاً من توجيه اللوم إلى الأسباب الواقعية الملموسة، مثل سياسات الإنفاق العام على القطاع الصحي، أو إجراءات الحكومات الوقائية المبكّرة، يتم إيجاد عدو خفي عملاق يتحمّل هو كامل المسؤولية. وللمفارقة فإن الرئيس الأميركي، ترامب، يستخدم الأسلوب نفسه، بغرض الإلهاء عن مسؤوليته التامة في عدم التجاوب مع كل التحذيرات في البداية. اليوم يطلق طلقات طائشة ضد منظمة الصحة العالمية التي كان في البداية يتهمها بالمبالغة في خطر الفيروس، ثم أصبح يتهمها بالتهوين من خطره! .. نظريات المؤامرة تخاطب العواطف لا العقول.
يقدّم هذا الخطاب أيضاً وسيلة للسيطرة على الجمهور عبر التخويف، وذلك بتقسيم العالم إلى “فسطاطين”، فلا مجال للحديث عن تعاون البشر من حيث هم بشر، على اختلاف بلادهم وأعراقهم وأديانهم. ولا مجال للبحث عن المشترك بين المناضلين في كل البلاد ضد سياسات “النيوليبرالية” وتوحش رأس المال، بل هناك مؤامرة محتملة لإفناء نصف العالم، كما يقول النجار. وعلى الرغم من ذلك، هو أيضاً يعود ليرى الفيروس يمثل آيةً من آيات الله بوصفه “عقاباً للظالمين وعبرة للناجين”. هل هو عقاب للظالمين أم مؤامرة منهم؟ مرة أخرى، تخاطب المؤامرة العواطف لا العقول.
حين فنّد متابعون عديدون محتوى كلام النجار وجمعة، فالأوراق العلمية المُحكمة تنفي تخليق الفيروس بشكل قاطع، ولا علاقة لشبكات المحمول به أو للكهرباء بالإنفلونزا الإسبانية، أظهر الجمهور الصلب لكل منهما رد فعل لا يجاوز خيارين، التأييد المطلق أو التماس العذر المطلق، من قبيل أن هذا ليس كلامهما بل ينقلانه عن كتّابٍ غربيين. وهكذا للمفارقة يتحول الغرب المتآمر في لحظة إلى مصدر “الحقيقة المطلقة”، على الرغم من أن صانع فيديو “يوتيوب” الذي يتحدّث عن مؤامرة شبكات المحمول ليس “الغرب”، هو بشر مثلكم يملك كاميرا هاتف مثلكم. وبعض الغربيين ينشرون نظريات “الأرض مسطّحة”، ويرفضون اللقاحات، وغيرها من الجهالات والحماقات التي تظهر في الغرب كما في الشرق. وهنا خطورة أخرى للمؤامرة، أنها تستبطن سيطرة الآخر التامة، ومن حيث تزعم أنها وسيلة لمقاومته فهي بالواقع تنسحق أمامه، هو فكر انهزامي، لا تعبوي.
المؤامرة ملة واحدة، سواء كان معتنقها يتحدث العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية. وحق على خصومها أن يكونوا ملّة واحدة أيضاً
المصدر : العربي / محمد أبو الغيط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + عشرين =

إغلاق