نقابة الصحفيين التونسيين بعد المؤتمر السابع: بين معركة الحرية ورهان إنقاذ المهنة من أجل صحافة بلا قضبان، وحقوق مهنية تحفظ الكرامة، ومستقبل ينصف الصحفيين المستقلين
بقلم: المعز محمد بن رجب

لم يكن المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الذي انعقد يومي 10 و11 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بالعاصمة تونس، مجرد استحقاق نقابي لتجديد الهياكل وانتخاب قيادة جديدة، بل جاء في لحظة دقيقة تختبر فيها الصحافة التونسية قدرتها على حماية مكتسبات حرية التعبير، والدفاع عن الصحفيين الذين يواجهون السجن والتتبعات القضائية، ومواجهة التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي يهدد استمرارية المهنة واستقلاليتها.
وانعقد المؤتمر، الذي حمل شعار «الصحافة ليست جريمة»، وسط نقاشات تتجاوز الحسابات الانتخابية إلى أسئلة جوهرية: كيف يمكن حماية الصحفي من الملاحقة بسبب عمله؟ وما الذي تستطيع النقابة فعله لإنقاذ صحافة تواجه الضغوط السياسية والأزمات المالية؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للصحفي المستقل الذي يعمل خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، من دون ضمانات اجتماعية أو مهنية كافية؟
إنها أسئلة لا تخص الصحفيين وحدهم، بل تمس حق المجتمع التونسي في المعرفة، وفي الوصول إلى المعلومة، وفي مراقبة السلطة ومساءلة المؤسسات.
قيادة متجددة ومسؤوليات تتجاوز الانتخابات
أسفرت نتائج المؤتمر عن تجديد الثقة في زياد الدبار على رأس المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الذي ضم تسعة أعضاء، من بينهم جيهان اللواتي وأمين الضبايبي وعادل الرياحي وسوار عمّايدية وحبيبة العبيدي وعبد الرؤوف بالي وكريم وناس وبشرى السلامي. <sup>المصدر: النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، 12 أكتوبر 2026.
ويمنح هذا التجديد القيادة النقابية فرصة لمواصلة الدفاع عن استقلالية المهنة، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية الاستجابة إلى انتظارات الصحفيين والصحفيات، في مختلف المؤسسات الإعلامية والاختصاصات والأجيال.
فالثقة التي أفرزتها صناديق الاقتراع ليست شيكاً على بياض، وإنما تكليف مهني وأخلاقي يستوجب الإنصات إلى القواعد، والانفتاح على الأصوات المختلفة، وتحويل القرارات النقابية إلى نتائج ملموسة في حياة الصحفيين.
وقد أكدت النقابة، خلال افتتاح المؤتمر، أن الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين لا ينتهي بانتهاء فترة نيابية، داعية إلى توحيد الجهود لحماية الصحافة المهنية والمستقلة، وتعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعاملين في القطاع.>المصدر: وكالة تونس إفريقيا للأنباء، 10 أكتوبر 2026
ولعل التحدي الأهم أمام المكتب التنفيذي الجديد هو استعادة شعور الصحفيين بأن نقابتهم ليست مجرد هيكل للدفاع عن المهنة عند الأزمات، بل مؤسسة قادرة على التدخل المبكر، والتفاوض، والمرافقة القانونية والاجتماعية، واقتراح حلول عملية للأزمات المتراكمة.
الصحفيون خلف القضبان: الاختبار الحقيقي لحرية الصحافة
يبقى ملف الصحفيين المسجونين من أكثر الملفات إلحاحاً في المشهد الإعلامي التونسي، لما يحمله من أبعاد قانونية وإنسانية ومهنية.

فقد طالب زياد الدبار، في افتتاح المؤتمر، بالإفراج عن مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي، كما دعا إلى إنهاء التتبعات والمحاكمات التي تطال العاملين في القطاع>المصدر: ديوان أف ام، 10 أكتوبر 2026
وتتجاوز القضية أسماء الصحفيين المعنيين إلى السؤال الأوسع عن الحدود الفاصلة بين تطبيق القانون وحماية حرية التعبير، وعن مدى تناسب العقوبات والإجراءات القضائية مع الأفعال المنسوبة إلى أصحابها، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
وفي تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيين في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أشارت المنظمة إلى أن عدداً من الصحفيين التونسيين يواجهون أحكاماً بالسجن أو تهديداً بتنفيذها، في حين يقبع آخرون خلف القضبان أو يعيشون خارج البلاد تحت ضغط الملاحقات القضائية. >المصدر: لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، 3 سبتمبر 2026.
ولا يمكن اختزال حرية الصحافة في غياب الرقابة المباشرة أو السماح بإصدار الصحف والمواقع، فهي تتطلب أيضاً أن يتمكن الصحفي من التحقيق والنقد ونشر المعلومات من دون خوف من أن يتحول عمله المهني إلى سبب لملاحقته أو سلب حريته.
ومن هنا، فإن الأمل معقود على أن تجعل القيادة الجديدة ملف الصحفيين المسجونين والمحاكمين في صدارة أولوياتها، عبر مواصلة التنسيق مع هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية، وتكثيف الجهود القانونية والنقابية، والعمل من أجل الإفراج عن الصحفيين الذين ترى الهيئات المدافعة عنهم أن سجنهم مرتبط بممارسة حرية التعبير.
كما أن التضامن مع الصحفيين وعائلاتهم يجب ألا يظل محصوراً في البيانات والوقفات الاحتجاجية، بل ينبغي أن يتحول إلى مسار مستمر يوفر المساندة القانونية والاجتماعية، ويحفظ كرامة العائلات، ويضمن ألا يواجه أي صحفي محنته بمفرده.
فحرية الصحافة لا تُقاس بعدد المنابر الإعلامية الموجودة فحسب، بل أيضاً بقدرة الصحفي على أداء عمله بحرية، وبمدى احترام حقه في التعبير والاختلاف، وبالضمانات التي تحميه من العقاب بسبب آرائه أو تحقيقاته.
أزمة الإعلام ليست أزمة حرية فقط
على الرغم من مركزية ملف الحريات، فإن مستقبل الصحافة التونسية يرتبط كذلك بقدرتها على مواجهة أزمة اقتصادية ومهنية تهدد مؤسساتها والعاملين فيها.
فالمؤسسة الإعلامية التي تعاني ضعف الموارد وتراكم الديون وتأخر الأجور تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط، فيما يجد الصحفي نفسه أمام معادلة صعبة: المحافظة على استقلالية قراره التحريري من جهة، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المهني والمعيشي من جهة أخرى.
وقد برزت خلال المؤتمر الدعوات إلى تحسين الأجور، والحد من التشغيل الهش، ومنع إغلاق المؤسسات الإعلامية وتسريح الصحفيين، باعتبارها شروطاً أساسية لبناء صحافة مستقلة وقادرة على الاستمرار. المصدر: وكالة تونس إفريقيا للأنباء، 10 أكتوبر 2026.
ومن ثم، فإن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينفصل عن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للصحفيين. فالصحفي الذي يعمل في ظروف غير مستقرة، أو يتقاضى أجراً لا يتناسب مع حجم مسؤولياته، أو يخشى فقدان عمله بسبب تحقيق مهني، يصبح أكثر عرضة للضغوط التي قد تمس استقلاليته.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مقاربة نقابية تتجاوز المعالجة الظرفية، وتعمل على فتح حوار جدي مع المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية، من أجل تطوير آليات التمويل، وضمان انتظام الأجور، وحماية الصحفيين من الطرد التعسفي، وتحسين ظروف العمل والتغطية الميدانية.
كما أن إصلاح القطاع يقتضي التفكير في نماذج اقتصادية جديدة للمؤسسات الإعلامية، تقوم على تنويع الموارد، والاستثمار في المحتوى ذي القيمة المضافة، وتطوير المنصات الرقمية، من دون تحويل الصحافة إلى مجرد أداة إعلانية أو إخضاعها لمصالح الممولين.
الصحفي المستقل: ركيزة إعلام المستقبل أم ضحية الهشاشة؟
ومن بين الملفات التي تستحق اهتماماً أكبر في المرحلة المقبلة، ملف الصحفيين المستقلين، أو ما يعرف بالصحفيين العاملين بنظام «فريلانس» (Freelance).
لقد أفرز التحول الرقمي أنماطاً جديدة للعمل الصحفي، لم يعد فيها الانتماء إلى صحيفة أو قناة أو إذاعة شرطاً وحيداً لممارسة المهنة. فهناك صحفيون ينجزون التحقيقات والتقارير الميدانية، ويقدمون خدماتهم لمؤسسات متعددة، وينشرون أعمالهم عبر المواقع والمنصات الرقمية، ويطورون مشاريع إعلامية خاصة بهم.
ويمثل هذا التحول فرصة لتوسيع التعددية الإعلامية، وإبراز القضايا المحلية والمناطق المهمشة، وفتح المجال أمام تجارب صحفية مستقلة لا تستطيع المؤسسات التقليدية دائماً احتضانها.
لكن هذه الفرصة تخفي وراءها مفارقة واضحة: فبينما يتزايد الاعتماد على المحتوى المستقل والمرن، يظل عدد من الصحفيين المستقلين معرضين لعدم انتظام الدخل، وتأخر مستحقات الأعمال المنجزة، وغياب التغطية الاجتماعية الكافية، وصعوبة الوصول إلى الموارد القانونية والتقنية اللازمة لإنجاز تحقيقات مكلفة.
وقد يجد الصحفي المستقل نفسه مطالباً بتمويل تنقلاته ومعداته واتصالاته من موارده الخاصة، وتحمل مخاطر التغطية الميدانية، ثم البحث عن مؤسسة مستعدة لنشر عمله أو دفع مستحقاته.
وهنا يبرز دور النقابة في توسيع مفهوم الحماية المهنية ليشمل مختلف أشكال العمل الصحفي، وعدم حصر الاهتمام في الصحفيين المرتبطين بعقود قارة بالمؤسسات الإعلامية.
ومن المقترحات التي تستحق النقاش إنشاء آليات واضحة لمرافقة الصحفيين المستقلين، وتطوير عقود نموذجية تضمن حقوقهم، والعمل على تحسين شروط الدفع وحماية الملكية الفكرية، وتيسير النفاذ إلى التدريب والتغطية الاجتماعية والمساندة القانونية، وفق الأطر القانونية المتاحة.
كما يمكن التفكير في برامج دعم للتحقيقات الصحفية المستقلة، وصناديق تنافسية شفافة لتمويل المشاريع ذات المصلحة العامة، بالشراكة مع جهات مستقلة، مع ضمان عدم تدخل الممولين في المحتوى التحريري.
إن إنصاف الصحفي المستقل لا يعني منحه امتيازات خاصة، بل تمكينه من ممارسة المهنة بشروط عادلة، تضمن له الكرامة والاستقلالية، وتحمي حق الجمهور في الوصول إلى صحافة متنوعة وموثوقة.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: فرصة لا تعفي من المسؤولية
تواجه الصحافة اليوم تحولاً تكنولوجياً عميقاً، مع صعود الذكاء الاصطناعي، وانتشار المنصات الرقمية، وتغير عادات الجمهور في متابعة الأخبار.
ولم يعد التحدي مقتصراً على سرعة نشر المعلومة، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على التحقق منها، وفهم سياقها، ومقاومة التضليل والأخبار المفبركة، وتطوير أشكال جديدة من السرد الصحفي.
ويمكن للصحفي المستقل، على وجه الخصوص، الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تفريغ المقابلات، وتنظيم الوثائق، وتحليل مجموعات البيانات، والترجمة الأولية، وإنتاج محتوى متعدد الوسائط، بما يساعده على العمل بكفاءة أكبر رغم محدودية الموارد.
غير أن هذه الأدوات لا تعوض التحقق الميداني، ولا تلغي المسؤولية المهنية عن صحة المعلومات، ولا تمنح الصحفي حق انتهاك الخصوصية أو نشر معطيات غير مؤكدة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى برامج تدريب مستمرة في الصحافة الرقمية، والتحقيقات القائمة على البيانات، والأمن الرقمي، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، مع إتاحة هذه البرامج للصحفيين المستقلين والعاملين خارج المؤسسات الكبرى.
كما ينبغي للنقابة أن تكون طرفاً فاعلاً في النقاش حول حقوق الصحفيين في البيئة الرقمية، بما في ذلك حماية أعمالهم من الاستغلال غير العادل، وتطوير المهارات المهنية، وضمان ألا يتحول التقدم التكنولوجي إلى ذريعة لتقليص فرص العمل أو إضعاف جودة المحتوى.
نقابة لجميع الصحفيين والصحفيات
إن قوة النقابة لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن مواقفها في مواجهة السلطات أو المؤسسات، بل أيضاً بمدى قدرتها على تمثيل تنوع الجسم الصحفي، والاستماع إلى الأجيال الجديدة، وإشراك الصحفيين المستقلين، والصحفيين الجهويين، والعاملين في الإذاعات والمواقع الرقمية، والنساء الصحفيات اللواتي يواجهن تحديات مهنية واجتماعية خاصة.
ويستوجب ذلك تعزيز التواصل مع القواعد المهنية، وتطوير آليات التبليغ عن الانتهاكات، وتقديم تقارير دورية عن الأوضاع الاجتماعية والمهنية، وإتاحة المعلومات المتعلقة بعمل الهياكل النقابية وقراراتها.
كما أن تجديد الثقة في القيادة ينبغي أن يرافقه تجديد في أساليب العمل، يقوم على الحوار والشفافية والمحاسبة، وعلى تحويل مطالب الصحفيين إلى برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة.
فالنقابة التي تنجح في جمع الصحفيين حول أهداف مشتركة، رغم اختلاف توجهاتهم وتجاربهم، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن المهنة في مرحلة تتطلب التضامن أكثر من أي وقت مضى.
الأمل في صحافة حرة وكريمة ومستقلة
لقد انتهى المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعده. فالتحديات التي تواجه الصحافة التونسية لا يمكن أن تحلها الانتخابات وحدها، ولا البيانات وحدها، وإنما تحتاج إلى عمل نقابي متواصل، وإرادة جماعية، وحوار جدي مع مختلف الأطراف المعنية.
والأمل أن تكون الفترة النيابية الجديدة محطة لتحقيق تقدم ملموس في ملف الصحفيين المسجونين، وضمان المحاكمة العادلة واحترام حرية التعبير، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين في القطاع، وتوسيع مظلة الحماية لتشمل الصحفيين المستقلين.
كما نأمل أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التضامن بين الزملاء والزميلات، ومزيداً من الاستثمار في التكوين والتكنولوجيا والتحقيق الصحفي، حتى تظل الصحافة فضاءً لكشف الحقيقة، ومراقبة الشأن العام، والدفاع عن حق المواطنين في المعرفة.
ومن موقع الانتماء إلى المهنة والإيمان برسالتها، أتوجه بالتهنئة إلى الزميلات والزملاء الذين نالوا ثقة المؤتمر، متمنياً لهم التوفيق في تحمل مسؤولياتهم، والنجاح في خدمة الصحفيين والصحفيات من دون تمييز.
وإلى كل صحفي وصحفية يواصلان العمل في الميدان، في ظروف صعبة أو بإمكانات محدودة، وإلى الصحفيين الذين يقاسون السجن أو الملاحقة، وإلى الصحفيين المستقلين الذين يصنعون تقاريرهم بأدواتهم وجهدهم الشخصي: إن قيمة الصحافة لا تتحدد بحجم المؤسسة التي يعمل فيها الصحفي، بل بصدقه وشجاعته والتزامه بأخلاقيات المهنة.
فالصحافة ليست جريمة، والاستقلالية ليست ترفاً، وكرامة الصحفي ليست مطلباً فئوياً. إنها جميعاً شروط أساسية لبناء مجتمع يعرف، ويناقش، ويحاسب، ويصنع مستقبله على أساس الحقيقة لا الخوف.
ولعل النجاح الأكبر للقيادة النقابية الجديدة لن يكون في عدد البيانات التي تصدرها، بل في عدد الحقوق التي تتم حمايتها، والصحفيين الذين يستعيدون حريتهم، والمظالم التي تجد طريقها إلى الحل، والأجيال الجديدة التي تجد في الصحافة مهنة تستحق أن تُمارس بحرية وكرامة وأمل.

الاعلامي المعز محمد بن رجب