قراءة نقدية في ديوان «بسمات ولمسات» للشاعرالاستاذ الدكتور عبدالله السلمي قراءة في تجربة شاعرٍ ناطقٍ بغير العربية بين الوفاء للقصيدة العمودية والخصوصية الثقافية
بقلم: الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

قراءة نقدية في ديوان
«بسمات ولمسات»

تجربة شاعرٍ ناطقٍ بغير العربية بين الوفاء للقصيدة العمودية وخصوصية التعبير
مقدمة
لم تعد العربية اليوم لغة أهلها وحدهم، بل غدت لغةً عالميةً يتخذها كثير من الباحثين والأدباء والمفكرين من غير الناطقين بها وسيلةً للبحث والإبداع والتعبير. وقد أثبتت التجارب الأدبية المعاصرة أن الانتماء إلى العربية لا يتحقق بالميلاد وحده، وإنما يتحقق كذلك بالتحصيل العلمي، والتذوق الجمالي، والقدرة على استيعاب خصائصها الأسلوبية والثقافية. ومن هنا برزت أسماء لكتّاب وشعراء من بيئات لغوية مختلفة اختاروا العربية لغةً لإنتاجهم الفكري والأدبي، مقدمين نماذج تستحق الدراسة بوصفها جزءًا من الامتداد الحضاري للغة العربية.
ويأتي ديوان «بسمات ولمسات» للأستاذ الدكتور عبد الله السلّمي ضمن هذا السياق؛ إذ يمثل تجربة شعرية لشاعر ناطق بغير العربية، استطاع أن يوظف العربية الفصحى في بناء قصيدة عمودية محافظة، تتكئ على التراث العروضي، وتنهل من الموروث الديني والثقافي، مع انفتاح واضح على قضايا الإنسان والمجتمع، وعلى مناسبات دينية ووطنية واجتماعية متعددة.
ولا تنطلق هذه القراءة من مبدأ المجاملة التي قد تُغفل مواطن الضعف، ولا من التشدد الذي يغفل خصوصية التجربة، وإنما تعتمد منهجًا نقديًا يقوم على قراءة النصوص في ذاتها، وتحليلها وفق معايير النقد الأدبي، مع مراعاة خصوصية الشاعر بوصفه مبدعًا يكتب بالعربية وهي ليست لغته الأم. فالمعيار الأساس في هذه الدراسة هو جودة النص الشعري، مع الاستفادة من البعد الثقافي الذي تضيفه هذه التجربة إلى الأدب العربي المعاصر.
ويلاحظ القارئ منذ الصفحات الأولى للديوان أن الشاعر يلتزم التزامًا واضحًا بالبناء التقليدي للقصيدة العربية، من حيث الوزن والقافية ووحدة الإيقاع، وهو اختيار فني يكشف عن انحياز واعٍ إلى المدرسة الكلاسيكية، بعيدًا عن أشكال الشعر الحر أو قصيدة النثر. كما يلحظ تنوعًا موضوعيًا لافتًا؛ إذ تتجاور القصائد الوجدانية مع القصائد الدينية، والوطنية، والاجتماعية، وقصائد المناسبات، مما يمنح الديوان مساحة واسعة من التجارب الإنسانية، وإن كان هذا التنوع يؤدي أحيانًا إلى تفاوت في المستوى الفني بين النصوص.
ومن السمات البارزة كذلك أن الديوان لا يكتفي بالتعبير عن التجربة الذاتية، بل يجعل من الشعر وسيلةً للتواصل الثقافي والدعوي والإنساني، وهو ما يظهر في القصائد التي تحتفي بالعلم والعلماء، وترحب بالضيوف، وتدافع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب حضور واضح للقيم الإسلامية والروحية التي تشكل ركيزة أساسية في رؤية الشاعر للعالم.
وتسعى هذه الدراسة إلى الوقوف على الخصائص الفنية واللغوية للديوان، وتحليل بنيته الموضوعية، واستجلاء أبرز ملامح أسلوبه، ثم مناقشة ما يحققه من نجاحات فنية، وما يعتريه من ملاحظات نقدية، في إطار قراءة علمية موضوعية، تنصف النص، وتحترم جهد صاحبه، وتسهم في إضاءة تجربة تمثل جانبًا مهمًا من حضور العربية في فضاء الإبداع العالمي.
المبحث الأول
التجربة الشعرية وسياقها الثقافي
أولًا: الشاعر بين الانتماء اللغوي والانتماء الحضاري
تُعدُّ تجربة الأستاذ الدكتور عبد الله السلّمي من التجارب الجديرة بالتأمل في الأدب العربي المعاصر؛ لأنها تنتمي إلى فئة الشعراء الذين لم تكن العربية لغتهم الأم، ومع ذلك اختاروها لغةً للفكر والإبداع والتعبير. وهذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ الثقافة العربية؛ فقد عرفت الحضارة الإسلامية عبر عصورها علماء وأدباء من أصول فارسية وتركية وكردية وأمازيغية وغيرها، كتبوا بالعربية وأسهموا في بنائها العلمي والأدبي، حتى غدت العربية بالنسبة إليهم لغة انتماء حضاري، لا مجرد وسيلة للتواصل.
وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى تجربة الشاعر بوصفها امتدادًا لهذا التقليد الحضاري؛ إذ لا يكتب العربية من موقع المتعلم الذي يكتفي باستعمالها الوظيفي، بل من موقع الأديب الذي يحاول توظيف إمكاناتها الإيقاعية والبلاغية في بناء نص شعري متكامل. وهذا الاختيار في حد ذاته يحمل دلالة ثقافية؛ لأنه يعكس مكانة العربية في الوعي العلمي والديني للشاعر، ويكشف عن ارتباط وجداني بها تجاوز حدود الدراسة إلى فضاء الإبداع.
غير أن هذه الخصوصية لا تعني إعفاء النص من معايير النقد، كما لا ينبغي أن تكون سببًا في التغاضي عن ملاحظاته الفنية أو اللغوية؛ فالأصل في النقد الأدبي أن يكون النص هو محور التقييم، مع مراعاة الظروف التي أسهمت في تشكيله. ومن هنا فإن خصوصية الشاعر تعد عاملًا مساعدًا على تفسير بعض الظواهر الأسلوبية، لا مبررًا للحكم عليها خارج الأصول الفنية.
ثانيًا: الثقافة الدينية وأثرها في تشكيل الرؤية الشعرية
يكشف الديوان عن حضور واضح للثقافة الإسلامية في مختلف مستوياته، سواء في اللغة أو الصور أو الموضوعات أو المرجعيات. فالشاعر يستند إلى مخزون واسع من النصوص القرآنية والحديثية، ويستدعي الشخصيات والأماكن والرموز الإسلامية بوصفها مكونات أصيلة في تجربته الشعرية.
ولا يظهر هذا الحضور في القصائد الدينية وحدها، بل يمتد إلى كثير من القصائد الوجدانية والوطنية، حيث تتحول المفردات الدينية إلى عناصر جمالية داخل البناء الشعري، فيرد ذكر مكة والمدينة والقدس، ويكثر استحضار أسماء الأنبياء والصحابة، وتبرز ألفاظ مثل: الرحمة، الدعاء، القرآن، الحرمين، رمضان، ليلة القدر، التوحيد، وهي مفردات تمنح النص بعدًا روحيًا واضحًا.
ويُلاحظ أن الشاعر لا يستخدم هذه المرجعيات استخدامًا زخرفيًا، وإنما يجعلها جزءًا من رؤيته للوجود؛ فالحب عنده لا ينفصل عن الأخلاق، والوطن لا ينفصل عن العقيدة، والإنسان لا ينفصل عن القيم. ومن ثم تتشكل القصيدة عنده بوصفها رسالة فكرية وأخلاقية، بقدر ما هي تجربة جمالية.
ثالثًا: الشعر بوصفه سجلًا للحياة
من السمات اللافتة في الديوان أن الشاعر لا يحصر الشعر في التجربة الذاتية، بل يجعله سجلًا للأحداث والمواقف التي عاشها أو شارك فيها. ولذلك يحضر شعر المناسبات حضورًا واسعًا، سواء في الترحيب بالضيوف، أو الاحتفاء بالعلماء، أو المناسبات الاجتماعية، أو الأحداث الدينية والوطنية.
وقد يُنظر إلى هذا اللون من الشعر أحيانًا بوصفه أقل قدرة على البقاء من الشعر الوجداني؛ لارتباطه بظروف زمنية محددة، إلا أن الشاعر يحاول في عدد من نصوصه تجاوز حدود المناسبة إلى التعبير عن قيم إنسانية عامة، كالوفاء، والمحبة، والتقدير، والتضامن، وهو ما يمنح بعض هذه القصائد قدرة على الاستمرار بعد انتهاء مناسبتها.
ومع ذلك، فإن كثرة هذا اللون في الديوان تؤثر في درجة التوازن الموضوعي؛ إذ تطغى قصائد المناسبات في مواضع عدة على القصائد التي تنبع من تجربة شعرية ذاتية خالصة، وهو ما يُعد من الملاحظات التي ستعود إليها هذه الدراسة في موضعها.
رابعًا: بين التجربة الذاتية والهم الإنساني
على الرغم من حضور المناسبات، فإن الديوان لا يخلو من تجربة وجدانية واضحة، تتجلى في قصائد الحب والحنين والاشتياق، حيث تتكرر أسماء مثل “سنا” و**“مريم”** بوصفهما محورين رمزيين في البناء العاطفي للديوان.
وتقوم هذه التجربة على لغة مباشرة يغلب عليها الصدق والانفعال، أكثر من اعتمادها على التعقيد الرمزي أو الغموض الفني. فالشاعر يصرح بعواطفه ولا يميل إلى إخفائها خلف أقنعة فنية معقدة، الأمر الذي يجعل القصيدة قريبة من المتلقي، وإن كان يفقدها أحيانًا شيئًا من كثافة الصورة الشعرية التي يحققها الإيحاء والرمز.
وفي المقابل، يتجاوز الشاعر حدود ذاته حين يكتب عن غزة، أو عن الأمة الإسلامية، أو عن معاناة الإنسان، فتتحول القصيدة من صوت فردي إلى صوت جمعي، ويصبح الوجدان الشخصي جزءًا من وجدان أوسع، وهو ما يمنح التجربة بعدًا إنسانيًا يستحق التقدير.
المبحث الثاني
البناء الموضوعي للديوان
يتميز ديوان «بسمات ولمسات» بتعدد موضوعاته وتنوع فضاءاته، فلا ينحصر في غرض شعري واحد، بل يتوزع بين الشعر الوجداني، والديني، والوطني، والاجتماعي، وشعر المناسبات. ويعكس هذا التنوع شخصية الشاعر العلمية والاجتماعية، كما يعكس طبيعة التجربة التي لا تنفصل عن الواقع الذي يعيشه، ولا عن رسالته الفكرية والثقافية.
ومع هذا التعدد، فإن ثمة محاور كبرى تنتظم قصائد الديوان، وتشكل بنيته الموضوعية العامة.
أولًا: الوجدان بوصفه المحور المركزي للديوان
إذا استثنينا قصائد المناسبات، فإن التجربة الوجدانية تمثل القلب النابض للديوان، إذ تستحوذ على مساحة واسعة من نصوصه، وتظهر بأشكال متعددة، أبرزها الحب، والاشتياق، والانتظار، والحرمان، والأمل، والخوف من الفقد.
ويتكرر في هذا السياق حضور شخصيتي «سنا» و**«مريم»**، اللتين تتحولان من مجرد اسمين إلى محورين رمزيين تتكثف حولهما التجربة الشعورية للشاعر. وقد أفرد لهما عشرات القصائد، حتى غدا حضورهما سمة بارزة في الديوان.
ومن اللافت أن الشاعر لا يقدم الحب بوصفه نزوة عابرة، بل يقدمه بوصفه حالة إنسانية طويلة الأمد، تمتزج فيها العاطفة بالأخلاق، والاشتياق بالوفاء، والرجاء بالصبر. ولذلك تغيب النزعة الحسية الصريحة، وتحل محلها لغة وجدانية يغلب عليها الصفاء والعفة.
ومن ذلك قوله:
للحب عندي غايةٌ بل غايةٌ
لا سُلَّمٌ للمال والإثراءِ
فهنا يقرر الشاعر منذ مطلع القصيدة أن الحب قيمة إنسانية مستقلة، لا تُقاس بالمكاسب المادية، وهو تصور يتكرر في مواضع متعددة من الديوان.
كما يتجلى الوجدان في صور الانتظار الطويل، كما في قوله:
أيكون عامي مثل عامي قد مضى
من دون لقيا يا سنا الأحزانِ
فالزمن هنا ليس إطارًا خارجيًا، بل عنصرًا نفسيًا يقيس به الشاعر عمق معاناته، وهي تقنية معروفة في الشعر الوجداني، حيث يصبح الزمن مرآة للحالة الداخلية.
غير أن كثرة القصائد التي تدور حول الموضوع نفسه، مع تكرار بعض الصور والمعاني، تجعل المتلقي يشعر أحيانًا بتقارب التجارب الشعرية، حتى تكاد بعض القصائد تعيد بناء التجربة نفسها بألفاظ مختلفة. وهذا لا ينتقص من صدق العاطفة، لكنه يدعو إلى مزيد من التنويع في الرؤية والصورة والبناء الفني.
ثانيًا: الشعر الديني… بين التعبد والرؤية الحضارية
يحتل الشعر الديني مكانة واضحة في الديوان، وهو حضور يتجاوز المديح أو الوعظ إلى التعبير عن رؤية فكرية متكاملة، تستند إلى المرجعية الإسلامية في فهم الإنسان والحياة.
ويتجلى ذلك في القصائد التي تناولت شهر رمضان، وليلة القدر، والحرمين الشريفين، والقرآن الكريم، إضافة إلى القصائد التي رحب فيها الشاعر بالعلماء والدعاة.
ومن أبرز ما يميز هذا اللون أن الشاعر لا يكتفي بوصف الشعائر، وإنما يحاول استثمارها في بناء قيم أخلاقية وإنسانية، فتغدو القصيدة وسيلة للتذكير، والإصلاح، وإحياء المعاني الإيمانية.
ومن ذلك قصيدته في العشر الأواخر من رمضان، التي يقول فيها:
عفوٌّ أنت يا رحمن فاعفُ
تحبُّ العفو غفرانًا وندري
وهو هنا يستلهم الدعاء النبوي المعروف، ويعيد صياغته في قالب شعري محافظ، يجمع بين حرارة المناجاة وسلاسة التعبير.
ويُحسب للشاعر أنه حافظ في هذا اللون على لغة واضحة بعيدة عن التكلف، وإن كانت بعض القصائد تميل إلى الخطابية المباشرة أكثر من ميلها إلى الشعرية القائمة على الصورة والإيحاء.
ثالثًا: الهم الوطني والإنساني
من أبرز محاور الديوان حضور القضية الفلسطينية، ولا سيما مأساة غزة، التي شغلت مساحة مهمة من وجدان الشاعر.
ففي أكثر من قصيدة تتحول غزة إلى رمز للألم الإنساني، ويعبر الشاعر عن تعاطفه مع الضحايا بلغة يغلب عليها الانفعال الصادق.
ومن ذلك قوله:
أطفال غزة في مجاعتهم هنا
ونحن ملآن البطون نتبخترُ
فهذه الصورة تقوم على المقابلة بين واقعين متناقضين، وتولد أثرها من المفارقة الأخلاقية أكثر مما تولده من الزخرفة البلاغية.
كما تمتاز هذه القصائد بأنها تتجاوز حدود الانتماء الجغرافي، لتطرح سؤال الضمير الإنساني، وهو ما يمنحها بعدًا عالميًا، وإن ظل التعبير فيها أقرب إلى الخطاب المباشر منه إلى البناء الرمزي.
رابعًا: شعر المناسبات… بين الوظيفة الاجتماعية والقيمة الفنية
يشغل شعر المناسبات مساحة كبيرة في الديوان، حيث كتب الشاعر قصائد في استقبال العلماء، والوفود، والضيوف، والاحتفاء بالمؤسسات العلمية، والتهنئة، والرثاء، وغيرها.
وهذا اللون من الشعر يمثل امتدادًا لتقليد عربي قديم، غير أن نجاحه الفني يرتبط بقدرته على تجاوز حدود المناسبة إلى التعبير عن معنى إنساني عام.
وقد نجح الشاعر في بعض النصوص في تحقيق هذا الانتقال، ولا سيما حين جعل المناسبة مدخلًا للحديث عن وحدة الأمة، أو فضل العلم، أو مكانة العربية، أو خدمة الإسلام.
إلا أن بعض القصائد بقي أسير المناسبة نفسها، بحيث يفقد جزءًا من أثره الفني بانتهاء الظرف الذي كُتب من أجله، وهي سمة معروفة في كثير من شعر المناسبات عبر العصور.
خلاصة المبحث
يكشف البناء الموضوعي للديوان عن شاعر واسع الاهتمامات، لا يحصر تجربته في جانب واحد، بل يجعل القصيدة مرآةً لحياته العلمية والدينية والوجدانية والاجتماعية. غير أن هذا الاتساع أدى إلى تفاوت واضح في كثافة التجربة الفنية؛ إذ جاءت القصائد الوجدانية أكثر قدرة على التعبير عن الذات، بينما غلبت الوظيفة المناسبة على عدد من القصائد الأخرى.
ومع ذلك، فإن هذا التنوع يظل من أبرز سمات الديوان، ويمنحه ثراءً موضوعيًا يعكس تعدد مصادر التجربة الشعرية لدى صاحبه
المبحث الثالث
البناء الفني في ديوان «بسمات ولمسات»
إذا كان البناء الموضوعي يكشف عن تنوع التجربة الشعرية واتساع مجالاتها، فإن البناء الفني هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به القيمة الأدبية للنص؛ إذ إن الموضوع وحده لا يصنع الشعر، وإنما تصنعه الطريقة التي يُبنى بها النص، والكيفية التي تتحول بها التجربة الإنسانية إلى لغة وصورة وإيقاع.
ومن خلال قراءة الديوان يتبين أن الشاعر ينتمي بوضوح إلى المدرسة التقليدية في الشعر العربي؛ فهو يلتزم القصيدة العمودية، ويحرص على وحدة الوزن والقافية، ويعتمد لغة فصيحة ذات نزعة تراثية، الأمر الذي يكشف عن احترامه العميق للبنية الكلاسيكية للقصيدة العربية.
غير أن هذا الانتماء لا يمنع من ملاحظة تفاوت في مستوى الإنجاز الفني بين القصائد؛ إذ تبلغ بعض النصوص درجة جيدة من التماسك والجمال، بينما يطغى على نصوص أخرى الطابع الخطابي أو التقريري، فتقترب من النظم أكثر من اقترابها من الشعر بالمعنى الفني الدقيق.
أولًا: اللغة الشعرية بين الفصاحة وسهولة التعبير
من أبرز عناصر القوة في الديوان سلامة اللغة في مجملها، ولا سيما إذا استحضرنا أن الشاعر يكتب بالعربية وهي ليست لغته الأم. فقد أظهر تمكنًا ملحوظًا من المعجم العربي، واستطاع أن يوظف ألفاظًا فصيحة تنتمي إلى التراث الشعري دون أن يقع – في الغالب – في الغرابة أو التكلف.
وتغلب على لغة الديوان السهولة والوضوح، فلا يلجأ الشاعر إلى الغموض المصطنع أو التعقيد اللفظي، وإنما يفضل التعبير المباشر الذي يجعل القصيدة قريبة من القارئ.
وهذه السمة تمنح النص قابلية للتلقي، لكنها في الوقت نفسه تضعف أحيانًا كثافته الشعرية؛ لأن اللغة الشعرية لا تقوم على الإبلاغ وحده، بل تقوم كذلك على الإيحاء، والاقتصاد، وتعدد الدلالة.
ولذلك يلاحظ القارئ أن بعض القصائد تبدو أقرب إلى الحديث الوجداني الموزون منها إلى اللغة الشعرية المكثفة التي تترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل.
ثانيًا: الصورة الشعرية… بين التقليد والتجربة
تقوم الصورة الشعرية في الديوان غالبًا على عناصر مألوفة في الشعر العربي التقليدي؛ فالعيون بحر، والخد ورد، والشفاه عسل، والوجه بدر، والقلب أسير، والدموع أنهار، والليل زمن الانتظار.
وهذه الصور تمتلك جذورها في التراث، ولا يُعد استعمالها عيبًا في ذاته، لكنها تحتاج إلى إعادة تشكيل حتى تستعيد طاقتها الفنية.
فعلى سبيل المثال يقول الشاعر:
أما العيون فبحر طيب هادئ
مع عمقه والسحر فيه هناء.
فالصورة جميلة في إطارها العام، غير أنها تعتمد على تشبيه مستقر في الذاكرة الشعرية العربية، ولا تضيف إليه تحولًا دلاليًا جديدًا.
وكذلك قوله:
بسماتك سحر…
وقوله:
وجهك بدر…
وقوله:
شفاهك شهد…
كلها صور تنتمي إلى المعجم البلاغي الموروث.
ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يُحسن استعمال الصورة التقليدية، أكثر مما يسعى إلى ابتكار صورة جديدة.
وهذه ليست ملاحظة تتعلق بضعف الموهبة، وإنما تتصل بالذائقة الفنية التي اختارها الشاعر، إذ يبدو حريصًا على الوفاء للنموذج الكلاسيكي أكثر من حرصه على التجديد.
ثالثًا: الصدق العاطفي… أجمل ما في الديوان
لعل أبرز ما يميز هذا الديوان هو الصدق الشعوري.
فالقارئ يشعر منذ القصيدة الأولى أن الشاعر لا يكتب صناعةً ولا استعراضًا لغويًا، وإنما يكتب تجربة عاشها أو آمن بها.
ولهذا السبب تصل القصائد بسهولة إلى المتلقي، حتى في المواضع التي لا تبلغ فيها الصورة أعلى درجات الابتكار.
إن حرارة العاطفة هنا تعوض أحيانًا محدودية الخيال.
ويتجلى ذلك في قصائد الانتظار والحرمان، وفي قصائد غزة، وفي مراثيه، وفي قصائد الترحيب بالعلماء؛ إذ يلمس القارئ أن الكلمات خرجت من تجربة وجدانية صادقة، لا من تمرين لغوي.
وهذه السمة تُعد من أهم مقومات الشعر الحقيقي؛ لأن البلاغة يمكن تعلمها، أما الصدق فلا يُصطنع.
رابعًا: التكرار… بين البناء الموسيقي واستنزاف الدلالة
ومن الظواهر الأسلوبية اللافتة في الديوان كثرة التكرار.
ويتخذ التكرار صورًا متعددة:
- تكرار الأسماء، ولا سيما سنا ومريم.
- تكرار بعض الصور.
- تكرار بعض الأسئلة.
- تكرار مفردات مثل:
(القلب – الحب – اللقاء – الشوق – الدموع – العيون – الشفاه – البدر – الورد).
ولا شك أن التكرار وسيلة فنية معروفة في الشعر العربي، بل قد يكون مصدرًا للإيقاع الداخلي إذا جاء في موضعه.
غير أن الإفراط فيه يؤدي أحيانًا إلى إضعاف الأثر؛ لأن الصورة حين تتكرر كثيرًا تفقد عنصر المفاجأة، ويعتادها القارئ.
ولعل هذا من أبرز الملاحظات الفنية في الديوان.
فليس الإشكال في تكرار كلمة “سنا” أو “مريم” بوصفهما رمزين للتجربة، وإنما في أن عدداً من القصائد يعيد إنتاج المشهد الشعوري نفسه، حتى يشعر القارئ أنه انتقل من قصيدة إلى أخرى دون انتقال مماثل في الرؤية الفنية.
ولو عمد الشاعر إلى اختزال عدد من هذه القصائد، أو دمج بعضها، لخرج الديوان أكثر إحكامًا، ولأصبحت كل قصيدة تحمل بصمتها الخاصة
المبحث الرابع
الإيقاع والأسلوب والتناص في ديوان «بسمات ولمسات»
يشكل الإيقاع أحد أهم العناصر المؤسسة للقصيدة العربية؛ فهو ليس مجرد انتظام وزني، وإنما بنية جمالية تتكامل مع اللغة والصورة والتجربة الشعورية لإنتاج الأثر الفني. ويكشف ديوان «بسمات ولمسات» عن شاعر يدرك أهمية الموسيقى الشعرية، ويحرص على أن تظل القصيدة وفية للنموذج الخليلي الذي استقر في التراث العربي.
وفي الوقت نفسه، فإن البناء الأسلوبي للديوان يعكس الخلفية الثقافية والعلمية للشاعر، ويكشف عن طبيعة تلقيه للتراث العربي والإسلامي، الأمر الذي يظهر بوضوح في اختياراته اللغوية، وفي كثافة التناص مع القرآن الكريم والسنة النبوية والموروث الأدبي.
أولًا: الموسيقى الشعرية والالتزام بالبنية العمودية
يلتزم الشاعر في معظم قصائد الديوان نظام القصيدة العمودية القائم على وحدة البحر والقافية، وهو التزام يكشف عن احترام واضح للتقاليد الشعرية العربية، وعن تمكن لا بأس به من البنية الإيقاعية للقصيدة.
وتتميز القوافي غالبًا بالاستقرار والانسجام، الأمر الذي يمنح القصائد نغمة موسيقية واضحة، ويجعلها قريبة من الإنشاد، وهو ما ينسجم مع طبيعة كثير من نصوص الديوان، ولا سيما قصائد الترحيب، والاحتفاء، والمناسبات.
غير أن هذا الالتزام الصارم بالقافية يؤدي في بعض المواضع إلى نوع من الاستجابة للقافية أكثر من استجابة المعنى؛ إذ يشعر القارئ أحيانًا أن بعض الألفاظ جاءت محافظةً على النسق الموسيقي، لا لأنها الخيار الدلالي الأكثر قوة. وهذه ظاهرة معروفة في الشعر العمودي، وقد وقع فيها كثير من الشعراء قديمًا وحديثًا.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة لا تُضعف البناء الإيقاعي العام، وإنما تشير إلى مواضع محدودة كان يمكن فيها تقديم الدلالة على مطلب القافية.
ثانيًا: الأسلوب بين النفس الخطابي والنفس الغنائي
يستند الديوان إلى أسلوبين رئيسين يتناوبان الحضور في النصوص:
الأول: الأسلوب الغنائي، ويظهر في القصائد الوجدانية، حيث يغلب ضمير المتكلم، وتتجه اللغة إلى التعبير عن المشاعر الشخصية، فتكثر الأفعال الدالة على الإحساس، مثل: أحب، أشتاق، أرجو، أنتظر، أتمنى، أعاني.
أما الثاني فهو الأسلوب الخطابي، ويبرز في قصائد المناسبات والقصائد الدينية والوطنية، حيث تتكرر صيغ النداء والدعاء والترحيب والخطاب المباشر.
ومن الناحية الفنية، نجح الشاعر في توظيف الأسلوب الغنائي بصورة أكثر تأثيرًا؛ لأنه ينسجم مع طبيعة التجربة الداخلية، بينما بدا الأسلوب الخطابي أحيانًا أقرب إلى البيان منه إلى الشعر، فتراجعت فيه كثافة الصورة لصالح وضوح الرسالة.
ولا يُعد ذلك نقصًا في ذاته، لأن شعر المناسبات بطبيعته يميل إلى المباشرة، غير أن الإفراط في الخطابية قد يقلل من القيمة الجمالية للنص إذا طغى على طاقته الإيحائية.
ثالثًا: التناص مع القرآن الكريم والحديث الشريف
يُعد التناص من أبرز الظواهر الفنية في الديوان، ويظهر بوضوح في استدعاء النصوص القرآنية، والمعاني المستمدة من السنة النبوية، والمفردات ذات الحمولة الدينية.
ومن الأمثلة الواضحة استلهام الدعاء النبوي في العشر الأواخر من رمضان:
عفوٌّ أنت يا رحمن فاعفُ
تحب العفو غفرانًا…
وهو تناص يندمج في البناء الشعري دون تكلف، ويعكس رسوخ المرجعية الإسلامية في وجدان الشاعر.
كما يحضر القرآن الكريم على مستوى المفردات والتراكيب والإيقاع، من خلال ألفاظ مثل: التوحيد، الرحمة، المغفرة، الجنة، الحرمين، ليلة القدر، القرآن، وهي ألفاظ لا تؤدي وظيفة دينية فحسب، بل تسهم في تشكيل الجو الروحي الذي يميز كثيرًا من قصائد الديوان.
ومن الجدير بالملاحظة أن الشاعر لا يوظف هذه المرجعيات للزينة اللفظية، وإنما يجعلها جزءًا من رؤيته الأخلاقية والفكرية، وهو ما يمنح النص بعدًا ثقافيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية.
رابعًا: الحضور التراثي
إلى جانب المرجعية الإسلامية، يتكئ الشاعر على التراث الشعري العربي، سواء في بناء القصيدة، أو في معجمها، أو في صورها البلاغية.
فالقارئ يلمس أصداء واضحة للقصيدة الكلاسيكية في افتتاح بعض النصوص، وفي طريقة الانتقال بين المعاني، وفي اعتماد التشبيهات والاستعارات الموروثة.
كما تحضر أسماء مثل: ليلى، لبنى، عزة، زبيدة، وهي أسماء تستدعي الذاكرة العاطفية للشعر العربي القديم، وتؤكد أن الشاعر يتحاور مع التراث أكثر مما يسعى إلى القطيعة معه.
غير أن هذا الحضور التراثي يأتي في إطار الاستلهام لا المحاكاة؛ فالشاعر لا يعيد إنتاج النصوص القديمة، بل يستثمر عناصرها في خدمة تجربته الخاصة.
خامسًا: بين المحافظة والتجديد
تكشف القراءة العامة للديوان أن الشاعر اختار بوعي الانتماء إلى الاتجاه المحافظ في الشعر العربي؛ فلم يسع إلى التجريب في الشكل، ولم يدخل مغامرة قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، بل ظل وفيًا للقصيدة العمودية في بنائها وإيقاعها.
ولذلك فإن الحكم على الديوان ينبغي أن يكون في إطار هذا الخيار الفني، فلا يُقاس بمعايير مدرسة شعرية لم يقصد الشاعر الانتماء إليها.
ومع ذلك، فإن المحافظة على الشكل لا تمنع من تطوير أدوات التعبير، وتوسيع دائرة الصورة الشعرية، وتعميق البناء الرمزي، وهي جوانب يمكن أن تثري التجربة في أعماله القادمة.
خلاصة المبحث
يبرز ديوان «بسمات ولمسات» شاعرًا يمتلك احترامًا عميقًا للتراث الشعري العربي، ويظهر تمكنًا من أدوات القصيدة العمودية، ويستثمر مرجعيته الإسلامية والثقافية في بناء نصوص ذات طابع أخلاقي وإنساني واضح. وفي المقابل، فإن التزامه الصارم بالنموذج التقليدي جعله أقل ميلًا إلى المغامرة الفنية أو ابتكار صور شعرية جديدة، وهو ما يفسر غلبة النفس المحافظ على معظم قصائد الديوان
المبحث الخامس
تقويم التجربة الشعرية
بين مكامن التميز وآفاق التطوير
لا تستقيم القراءة النقدية إذا اقتصرت على الثناء، كما لا تحقق غايتها إذا اقتصرت على رصد المآخذ؛ فالنقد العلمي يقوم على الموازنة بين عناصر القوة والقصور، في ضوء معايير فنية واضحة. وانطلاقًا من هذا المنهج، يمكن الوقوف عند أبرز السمات التي تمنح ديوان «بسمات ولمسات» قيمته الأدبية، ثم بيان الجوانب التي يمكن أن تسهم في مزيد من نضج التجربة الشعرية.
أولًا: مكامن التميز
1- الصدق الشعوري
أبرز ما يميز الديوان هو صدق التجربة الإنسانية.
فالقصائد لا تبدو مصنوعة لإظهار المقدرة اللغوية، وإنما تنطلق من إحساس حقيقي بالحب، والشوق، والحزن، والوفاء، والانتماء، والإيمان.
ولذلك يشعر القارئ أن الشاعر يعيش ما يكتب، ولا يكتب ما لا يعيش.
وهذه السمة هي التي تحفظ للديوان قيمته حتى في المواضع التي تقل فيها كثافة الصورة الفنية.
فالقصيدة الصادقة تبقى أقرب إلى الوجدان من القصيدة التي تعتمد على الزخرفة البلاغية وحدها.
2- التمكن من العربية
من أبرز عناصر التميز كذلك قدرة الشاعر على التعامل مع العربية الفصحى تعاملاً يثير التقدير، ولا سيما إذا استحضرنا أنه يكتب بها وهي ليست لغته الأم.
فقد استطاع أن يوظف معجمًا عربيًا واسعًا، وأن يحافظ على سلامة البناء العام للجملة، وأن يلتزم نظام القصيدة العربية التقليدية بدرجة جيدة.
ولا يعني ذلك خلو الديوان من بعض المواضع التي يمكن إعادة صياغتها، إلا أن الإنجاز الكلي يظل لافتًا، ويعكس سنوات طويلة من التكوين العلمي واللغوي.
3- الوفاء للقصيدة العربية
ينتمي الشاعر بوضوح إلى المدرسة المحافظة.
وقد يكون هذا الخيار محل اختلاف بين النقاد، لكنه في حد ذاته ليس مأخذًا، بل هو موقف فني مشروع.
فالقصيدة العمودية ما تزال قادرة على العطاء متى وجدت شاعرًا يمتلك الإحساس والإيقاع.
وقد حافظ الشاعر على هذا النسق في معظم نصوصه، دون أن يقع في التكلف الذي يرافق أحيانًا شعر المناسبات.
⸻
4- اتساع الأفق الإنساني
لا ينغلق الديوان على التجربة الذاتية.
فهو ينتقل بين الحب، والدين، والوطن، والإنسان، والعلم، والأسرة، وغزة، والقدس، والحرمين، والمناسبات الاجتماعية.
وهذا الاتساع يمنح الديوان قيمة توثيقية وثقافية، ويجعله أقرب إلى سجل شعوري لحياة صاحبه.
⸻
ثانيًا: الملاحظات النقدية
1- هيمنة التجربة الوجدانية الواحدة
على الرغم من كثرة القصائد، فإن القارئ يلاحظ أن التجربة العاطفية تدور في فلك واحد.
فالانتظار، والاشتياق، والحرمان، والتمني، تتكرر في عدد كبير من القصائد، حتى إن الحدود الفاصلة بينها تصبح أحيانًا غير واضحة.
ولا يتعلق الأمر بتكرار الموضوع فحسب، وإنما بتكرار البناء النفسي نفسه.
ولو أعاد الشاعر توزيع هذه النصوص، أو اختار أجودها، لكان أثر الديوان أقوى، ولأصبحت كل قصيدة تحمل فرادتها الفنية.
2- المباشرة على حساب الإيحاء
من خصائص الديوان أن الشاعر يميل إلى التصريح بما يشعر به، أكثر من ميله إلى ترك المعنى يتولد من الصورة.
وهذه السمة تجعل القصيدة سهلة الفهم، لكنها تقلل من مساحة المشاركة التأويلية التي تمنح النص عمقه الجمالي.
فالشعر الحديث – وحتى كثير من الشعر العربي القديم – يكتسب جزءًا من جماله من قدرته على الإيحاء، لا من التصريح وحده.
3- محدودية الابتكار في الصورة الشعرية
يعتمد الشاعر غالبًا على الصور الموروثة في الشعر العربي.
فالورد، والبدر، والعين، والعسل، والبحر، والنسيم، والدموع… كلها تتكرر في الديوان بصيغ متعددة.
ولا يعيب ذلك الشاعر من حيث الأصل، لكنه يجعل بعض الصور متوقعة لدى القارئ.
وكان من الممكن أن تكتسب التجربة فرادة أكبر لو اتجهت إلى استلهام صور جديدة مستمدة من البيئة الهندية، أو من التجربة الشخصية للشاعر، أو من الواقع المعاصر.
ولعل هذه النقطة تمثل أحد أهم آفاق التطوير في تجربته المقبلة.
4- غلبة الوظيفة على الشعرية في بعض النصوص
في قصائد المناسبات، يتقدم الهدف الاجتماعي أو الديني أو الاحتفائي على القيمة الفنية.
فتصبح القصيدة وسيلة للتعبير عن المناسبة أكثر من كونها عملاً فنياً مستقلاً.
وهذه سمة مألوفة في شعر المناسبات، غير أنها تؤثر في قابلية بعض النصوص للبقاء خارج سياق الحدث الذي كُتبت من أجله.
5- الحاجة إلى مزيد من التكثيف
يضم الديوان عددًا كبيرًا من القصائد، وبعضها طويل نسبيًا.
وكان من الممكن أن يحقق أثرًا أقوى لو اتجه الشاعر إلى مزيد من الاختزال، وحذف الأبيات التي تعيد الفكرة أو الصورة نفسها.
ففي الشعر، ليست الكثرة معيارًا للجودة، وإنما تكمن القوة في كثافة التعبير، وقدرة البيت الواحد على حمل دلالة واسعة.
وهذا ما نجده عند كبار شعراء العربية قديمًا وحديثًا.
ثالثًا: قراءة في ضوء خصوصية التجربة
من الإنصاف التأكيد أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمة الديوان، بل تُقرأ في إطار خصوصيته؛ فالشاعر لا ينتمي إلى بيئة عربية من حيث النشأة اللغوية، ومع ذلك استطاع أن يكتب ديوانًا كاملًا بالعربية الفصحى، محافظًا على أوزان الشعر العربي وقوافيه، ومستثمرًا رصيدًا واسعًا من الثقافة الإسلامية والبلاغية.
ولهذا، فإن نجاحه لا يُقاس فقط بما حققه داخل الديوان، بل أيضًا بما يضيفه إلى مسيرة العربية بوصفها لغةً للإبداع العابر للحدود والثقافات.
الخاتمة
تكشف القراءة النقدية لديوان «بسمات ولمسات» للأستاذ الدكتور عبد الله السلّمي عن تجربة شعرية ذات خصوصية في المشهد الأدبي العربي المعاصر، لا لأنها تقدم موضوعات جديدة فحسب، وإنما لأنها تصدر عن شاعر اتخذ العربية لغةً للإبداع، على الرغم من أنها ليست لغته الأم. وهذه الخصوصية تمنح الديوان بعدًا حضاريًا يتجاوز حدوده الفنية؛ إذ يؤكد أن العربية ما تزال تمتلك القدرة على استقطاب المبدعين من خارج دائرتها اللسانية، وأنها لا تزال لغة إنتاج أدبي وثقافي، وليست مجرد لغة تراث أو تعليم.
وقد أظهرت الدراسة أن الشاعر ينتمي بوضوح إلى المدرسة المحافظة في الشعر العربي، متمسكًا بالبناء العمودي، ووحدة الوزن والقافية، ومستندًا إلى معجم عربي فصيح، وإلى رصيد ثقافي إسلامي واسع انعكس في موضوعاته وصوره ورؤيته للإنسان والحياة. كما كشفت عن حضور الصدق العاطفي بوصفه السمة الأبرز في الديوان، وهو صدق منح كثيرًا من القصائد حرارة إنسانية واضحة، وجعلها قريبة من وجدان المتلقي.
وفي المقابل، بينت الدراسة أن الديوان لا يخلو من ملاحظات فنية يمكن أن تسهم في تطوير التجربة الشعرية مستقبلًا، ومن أبرزها ميل بعض النصوص إلى المباشرة والخطابية، وتكرار بعض المعاني والصور والمعجم الشعري، إضافة إلى امتداد بعض القصائد على نحو كان يمكن أن يستفيد من مزيد من التكثيف والاقتصاد الفني. غير أن هذه الملاحظات لا تمس جوهر التجربة، بقدر ما تمثل آفاقًا للنمو والتطور، وهي ملاحظات يمكن أن تُوجَّه إلى كثير من التجارب الشعرية المحافظة التي تفضل وضوح الخطاب على كثافة الرمز.
ومن النتائج التي تستحق التأكيد أن الديوان لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الثقافي؛ فهو ثمرة تفاعل بين الثقافة العربية والإسلامية وبين بيئة لغوية غير عربية، الأمر الذي يضفي عليه قيمة خاصة في ميدان أدب العربية لدى الناطقين بغيرها. ومن ثم فإن هذا الديوان لا يمثل جهدًا فرديًا فحسب، بل يندرج ضمن الظاهرة الأوسع التي تؤكد عالمية العربية، وقدرتها على أن تكون لغة إبداع وحوار حضاري.
ولعل من أهم ما يميز تجربة الدكتور عبد الله السلّمي أنها لا تنطلق من علاقة وظيفية باللغة العربية، وإنما من علاقة وجدانية وثقافية عميقة، انعكست في احترامه لتراثها الشعري، وحرصه على المحافظة على بنيتها الكلاسيكية، وإيمانه برسالتها الحضارية. وهذا ما يجعل الديوان جديرًا بالقراءة والدراسة، بوصفه نموذجًا لتفاعل غير الناطقين بالعربية مع جمالياتها وآفاقها التعبيرية.
ولا تدعي هذه الدراسة أنها استنفدت جميع جوانب الديوان، وإنما حاولت أن تقدم قراءة نقدية موضوعية، تنطلق من النصوص نفسها، وتوازن بين إبراز مواطن القوة والتنبيه إلى جوانب التطوير، انطلاقًا من أن النقد الأدبي ليس وسيلة للإشادة المجردة، ولا أداة للانتقاص، بل هو فعل معرفي يهدف إلى فهم العمل الأدبي، والكشف عن خصائصه، والإسهام في تطوير التجربة الإبداعية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن ديوان «بسمات ولمسات» يمثل إضافة جديرة بالاهتمام في مسار الشعر العربي المعاصر الذي يكتبه الناطقون بغير العربية، ويؤكد أن الانتماء إلى العربية لا يتحقق باللسان وحده، وإنما يتحقق كذلك بالمحبة، والثقافة، والإبداع



