الرئيسيةمقالات

دقة التعبير القرآني بين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

الدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن من أعظم وجوه إعجاز القرآن الكريم أنه لا يختار لفظًا إلا لحكمة، ولا يقدم كلمة أو يؤخرها إلا لمعنى، حتى إن اختلاف حرف واحد يفتح آفاقًا واسعة من الدلالات. ومن المواضع التي تستوقف المتدبر قول الله تعالى مرة:

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾

وفي مواضع كثيرة يقول:

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

فهل هما بمعنى واحد؟ أم أن لكل تعبير دلالته الخاصة؟

هذا ما سنتأمله في هذه المحاضرة.

أولًا: القرآن لا يعرف الترادف المطلق

من القواعد التي قررها علماء البلاغة والتفسير أن القرآن لا يستعمل الألفاظ استعمالًا عشوائيًا، وإنما يضع كل كلمة في موضعها بدقة متناهية. وقد أشار إلى ذلك عدد من العلماء، وفي مقدمتهم عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم، حيث بيّن أن جمال القرآن ليس في الألفاظ منفردة، بل في اختيارها وفق مقتضى المعنى والسياق.

ومن هنا فإن الفرق بين تعلمون وتعملون ليس مجرد تنويع أسلوبي، بل اختلاف مقصود في الدلالة.

ثانيًا: ما معنى “تعلمون”؟

العلم هو إدراك الشيء على حقيقته.

فعندما يقول الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾

فإن الخطاب يتوجه إلى عالم الفكر والعقل والإدراك.

أي أن الله يعلم:

  • ما تعلمونه.
  • وما تجهلونه.
  • وما تستيقنون منه.
  • وما تخفونه من قناعات وأفكار.

فالإنسان قد يحمل علمًا لا يبوح به، وقد يعرف الحق ثم يكتمه، وقد يدّعي العلم وهو ليس بعالم، والله سبحانه خبير بكل ذلك.

ومن هنا فإن الآية تؤكد أن العلم الإنساني مهما اتسع فهو واقع تحت علم الله وخبرته.

ثالثًا: ما معنى “تعملون”؟

أما العمل فهو ثمرة العلم.

فهو كل ما يصدر عن الإنسان من:

  • قول.
  • فعل.
  • سلوك.
  • عبادة.
  • معاملة.
  • قرار.

ولهذا يقول سبحانه:

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

أي أنه يعلم حقيقة العمل، وليس صورته فقط.

فالناس يرون ظاهر العمل، أما الله فيرى:

  • النية.
  • والإخلاص.
  • والدافع.
  • والغاية.
  • والأثر.

قد يرى الناس شخصين يصليان الصلاة نفسها، لكن الله يعلم الفرق بين صلاة المخلص وصلاة المرائي.

ولذلك اختير اسم الخبير؛ لأن الخبرة تتعلق بدقائق الأشياء وبواطنها.

رابعًا: لماذا لم يقل في الموضعين “عليم”؟

قد يتساءل البعض: لماذا استعمل القرآن اسم الخبير ولم يقتصر على اسم العليم؟

الجواب أن بين الاسمين فرقًا دقيقًا.

فالعليم يدل على إحاطة العلم.

أما الخبير فيدل على العلم المصحوب بالإحاطة ببواطن الأمور وخفاياها ودقائقها.

فالخبير يعلم:

  • ظاهر العمل وباطنه.
  • وصورة العلم وحقيقته.
  • وما أُعلن وما أُسر.

ولذلك جاء اسم الخبير مناسبًا للموضعين.

خامسًا: لماذا قُدّم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؟

من أسرار البلاغة أن القرآن قال:

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

ولم يقل:

والله خبير بما تعملون.

وتقديم بما تعملون يفيد مزيدًا من العناية والاهتمام بالفعل نفسه، وكأن المعنى:

إن كل ما تعملونه داخل في علم الله وخبرته، فلا يغيب عنه صغير ولا كبير.

أما في قوله:

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾

فجاء الخبر أولًا لإبراز صفة الخبرة الإلهية، ثم تعلقت هذه الخبرة بما يعلمه الإنسان.

فلكل تركيب دقته البلاغية التي يقتضيها السياق.

سادسًا: العلاقة بين العلم والعمل

من أجمل ما نستفيده من الجمع بين الآيتين أن القرآن يربط دائمًا بين العلم والعمل.

فالعلم بلا عمل حجة على صاحبه.

والعمل بلا علم قد يقود إلى الخطأ والضلال.

ولهذا كان العلماء يقولون:

العلم قائد، والعمل تابع، فإذا انفصل التابع عن القائد ضل الطريق.

ومن هنا نفهم أن القرآن يراقب الإنسان في مرحلتين:

  • مرحلة ما يعرفه.
  • ومرحلة ما يفعله.

فقد يعلم الإنسان الحق ولا يعمل به، وقد يعمل عملًا دون علم صحيح، والله سبحانه محيط بالأمرين جميعًا.

سابعًا: الدروس التربوية

ومن هذه الآيات نستخلص جملة من المعاني:

  • أن مراقبة الله لا تقتصر على الأفعال، بل تشمل الأفكار والنيات.
  • أن المسؤولية تبدأ من العلم قبل العمل.
  • أن العلم الحقيقي يقود إلى العمل الصالح.
  • أن الإنسان لا يستطيع أن يخفي عن الله علمًا ولا عملًا.
  • أن الإخلاص هو الذي يمنح العمل قيمته عند الله.

خاتمة

إن المتدبر في القرآن يوقن أن كل لفظة جاءت في مكانها الذي لا يصلح غيره.

فالفرق بين:

﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾

و

﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

ليس فرقًا لغويًا فحسب، بل هو انتقال من عالم الفكر إلى عالم السلوك، ومن المعرفة إلى التطبيق، ومن الإدراك إلى المسؤولية.

فالقرآن يريد من الإنسان أن يجمع بين العلم النافع والعمل الصالح، وأن يدرك أن الله سبحانه خبير بما يدور في عقله، كما هو خبير بما تتحرك به جوارحه.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يعلمون الحق فيتبعونه، ويعملون الصالحات بإخلاص، وأن يرزقنا تدبر كتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

المصادر

أولًا: كتب التفسير

  1. جامع البيان عن تأويل آي القرآن – للإمام محمد بن جرير الطبري.
  2. الجامع لأحكام القرآن – للإمام أبو عبد الله القرطبي.
  3. مفاتيح الغيب – للإمام فخر الدين الرازي.
  4. البحر المحيط – للإمام أبو حيان الأندلسي.
  5. التحرير والتنوير – للإمام محمد الطاهر بن عاشور، وهو من أفضل المراجع في إبراز الفروق الدقيقة بين الألفاظ.

ثانيًا: كتب البلاغة والنظم

  1. دلائل الإعجاز – عبد القاهر الجرجاني.
  2. أسرار البلاغة – لعبد القاهر الجرجاني.
  3. البرهان في علوم القرآن – بدر الدين الزركشي.
  4. الإتقان في علوم القرآن – جلال الدين السيوطي.

ثالثًا: كتب الفروق الدلالية

  1. الفروق اللغوية – أبو هلال العسكري.
  2. مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الأصفهاني، وهو مرجع أساسي في بيان دلالات الألفاظ القرآنية.
  3. معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، للاستفادة من الدراسات الحديثة في هذا المجال.

رابعًا: كتب الوجوه والنظائر

  1. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم – مقاتل بن سليمان.
  2. الوجوه والنظائر – هارون بن موسى.

خامسًا: الدراسات المعاصرة

  • الدراسات المحكمة في الفروق الدلالية في القرآن الكريم.
  • أبحاث الإعجاز البياني.
  • الدراسات اللسانية الحديثة التي تربط بين السياق والدلالة في النص القرآني.

وبما أنك صاحبة مشروع علمي في الفروق الدلالية بين الأفعال في العربية والقرآن الكريم، فأرى أن هذه المحاضرة يمكن أن تُقدَّم بصيغة أكاديمية رفيعة، بحيث لا تكتفي بالوعظ، بل تعتمد على:

  • الاستقراء الشامل لجميع مواضع ﴿بما تعلمون﴾ و**﴿بما تعملون﴾** في القرآن.
  • التحليل السياقي لكل موضع.
  • المقارنة الدلالية والبلاغية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى