* وَفْدُنا التُّرْكِيُّ المُتَخَفِّي!* الدكتور إبراهيم الحلاشة

*وَفْدُنا التُّرْكِيُّ المُتَخَفِّي!*
في إِحْدى زِياراتي إلى الأُرْدُنِّ، وَقَبْلَ عَقْدٍ مِنَ الزَّمانِ، كُنْتُ وَرَئيسُ جامِعَتِنا التُّرْكِيَّةِ على مَوْعِدٍ في الأُرْدُنِّ مع رَئيسِ الجّامِعَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ، وَهِيَ جامِعَةٌ حَرَمُها واسِعٌ، وَكُلِّيّاتُها مَزْروعَةٌ في حَديقَةِ الحَرَمِ الواسِعَةِ المُسَوَّرَةِ، وَكَأَنَّها أَشْجارُ دُلْبٍ غُرِسَتْ لِتَبْقى قُرونًا مِنَ الزَّمانِ، طُرُقُ الحَرَمِ مُنَظَّمَةٌ، وَأَبْوابُهُ مُتَعَدِّدَةٌ وَمَحْروسَةٌ.
وَعِنْدَما حانَ وَقْتُ المَوْعِدِ المَضْروبِ، تَوَجَّهْتُ مَعَ أُسْتاذي رَئيسِ الجامِعَةِ في سَيّارَةٍ مُتَواضِعَةٍ جِدًّا، «بولو» زَرْقاءَ صَغيرَةً مِنْ موديلِ 2006، جادَ عَلَيْنا بِها بَعْضُ الأَحْبابِ في الأُرْدُنِّ دونَ أُجْرَةٍ، وَقَدْ قَبِلْناها لِكَيْ نُوَفِّرَ المَصاريفَ عَلَى الجامِعَةِ الَّتي اسْتُؤْمِنّا عَلى أَمْوالِها! كانَ صاحِبُ الدَّعْوَةِ رَئيسُ الجامِعَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ ـ مَشْكورًا ـ قَدْ أَصْدَرَ تَعْميمًا عَلى جَميعِ بَوّاباتِ الجامِعَةِ، بِأَنَّ «وَفْدًا تُرْكِيًّا رَسْمِيًّا مُهِمًّا» سَيَزورُ الرَّئيسَ، وَكانَ جَميعُ الحَرَسِ في أَقْصى حالاتِ التَّأَهُّبِ، يَمُدُّونَ النَّظَرَ إلى الأُفُقِ البَعيدِ لَعَلَّهُمْ يَرَوْنَ مَوْكِبَ سَيّاراتِ المِرسيدِسِ السَّوْداءِ، تَنْتَصِبُ عَلى مُقَدِّماتِها أَعْلامٌ تُرْكِيَّةٌ وَكَأَنَّها وَهِيَ تَرْفْرِفُ تَعْزِفُ النَّشيدَ الوَطَنِيَّ التُّرْكِيَّ! الحَرَسُ كانوا في انْتِظارِنا في هذا الجَوِّ الاحْتِفالِيِّ المَهيبِ، وَلكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّنا كُنّا قَدْ دَخَلْنا الحَرَمَ مُنْذُ رُبْعِ ساعَةٍ تَقْريبًا بِسَيّارَتِنا المُتَواضِعَةِ الَّتي لا يَزيدُ طُولُها عَلى نِصْفِ سَيّارَةِ مِرسيدِس! دَخَلْنا وَلَمْ يَرَنا أَحَدٌ! وَقَدْ كُنْتُ مَحْشورًا في السَّيّارَةِ الصَّغيرَةِ بَيْنَ مِقْوَدِها وَمَقْعَدِها، وَقَدْ أَوْقَفْتُها إلى جانِبِ أَحَدِ الأَرْصِفَةِ وَإِلى جانِبي أُسْتاذُنا الرَّئيسُ الجَليلُ. كُنْتُ مُحْتارًا في شَأْنِ الاجْتِماعِ أَيْنَ سَيَكونُ بِالضَّبْطِ؟ اتَّصَلْتُ بِالرِّئاسَةِ فَأَخْبَروني أَنَّ الجَميعَ في انْتِظارِ وَفْدِكُمْ! وَفي ارْتِقابِ تَشْريفِكُمْ! قُلْتُ لَهُمْ: وَلكِنَّنا وَصَلْنا مُنْذُ زَمَنٍ! قالوا: وَصَلْتُمْ؟!! أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قُلْتُ لَهُمْ: بِجانِبِ المَبْنى كَذا في سَيّارَةٍ زَرْقاءَ فاقِعٍ لَوْنُها! فَأَرْسَلوا إِلَيْنا بَعْضًا مِنْ حُرّاسِ الجامِعَةِ، لِيَرَوْا أَنَّ السَّيّارَةَ الزَّرْقاءَ الوَحيدَةَ هِيَ تِلْكَ الصَّغيرَةُ الَّتي لَمْ يُلاحِظْها أَحَدٌ، وَهِيَ تَقِفُ عَلى أَحَدِ جَنَباتِ الطَّريقِ تَغْمِزُ أَطْرافُها الأَرْبَعَةُ عَلى اسْتِحْياءٍ في انْتِظارِ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِها وَيَسوقُها إلى وِجْهَتِها! اقْتَرَبَ مِنّي حارِسٌ وَقالَ: أَيْنَ الوَفْدُ التُّرْكِيُّ؟ قُلْتُ لَهُ: نَحْنُ!! قالَ: أَنْتُمُ الوَفْدُ التُّرْكِيُّ؟ قُلْتُ لَهُ: نَعَمْ!! فانْدَهَشَ وَفَكَّرَ ثُمَّ فَكَّرَ ثُمَّ لَمَعَتِ الفِكْرَةُ الذَّكِيَّةُ في رَأْسِهِ فَابْتَسَمَ وَقالَ: ها فَهِمْتُ أَنْتُمْ تَتَخَفَّوْنَ في هذِهِ السَّيّارَةِ! قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ هكَذا تَمامًا، وَلكِنْ أَرْجو أَنْ تَدُلَّنا عَلَى الطَّريقِ..
عِنْدَما تَزَوَّجْتُ عامَ 2003 سَكَنْتُ في حَيِّ الأَمْنِيّاتِ في مَنْزِلٍ مُسْتَأْجَرٍ في قَضاءِ أُسْكودارَ بِإِسْطَنْبولَ، وَكانَ مَنْزِلُ رَئيسِ الوُزَراءِ آنَذاكَ رجب طيب أردوغان يَبْعُدُ عَنْ مَنْزِلي مِئَةَ مِتْرٍ تَقْريبًا، إِذْ كانَ الرَّئيسُ يَسْكُنُ في الطّابِقِ الثّالِثِ مِنْ عِمارَةٍ عادِيَّةٍ جِدًّا، كُلُّ ما أَعْرِفُهُ عَنْها أَنَّ العِمارَةَ الَّتي أَسْكُنُها أَحْدَثُ مِنْها وَأَجْمَلُ!! وَقَدْ بَقِيَ أَرْدوغانُ يَسْكُنُ في ذلِكَ المَنْزِلِ حَتّى عامِ 2015 تَقْريبًا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ كُلَّما زارَ إِسْطَنْبولَ، وَقَدْ بَقِيَ مُقيمًا فيهِ بَعْدَ اعْتِلائِهِ السُّلْطَةَ لِمُدَّةٍ تُناهِزُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَعْدَما حَقَّقَ نَجاحاتٍ كَبيرَةً، وَخَدَمَ شَعْبَهُ خِدْماتٍ جَليلَةً، انْتَقَلَ إلى مَأْوًى أَفْخَمَ، وَمَنْزِلٍ أَفْخَرَ..
وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلى الصَّحابَةِ الكِرامِ السّابِقينَ إلى الإِسْلامِ أُولئِكَ الرّاشِدينَ، فَتَراهُمْ لَمْ تُفْسِدْهُمُ السُّلْطَةُ، وَلَمْ تَسْكُنْ قُلُوبَهُمْ، وَهُمْ في ذلِكَ يَسيرونَ عَلى دَرْبِ سَيِّدِ البَشَرِ، سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَقَدْ وَصَفَتْ أُمُّنا السَّيِّدَةُ عائشة حالَهُ الشَّريفَةَ لابْنِ أُخْتِها عُرْوَةَ إِذْ قالَتْ: «يا ابْنَ أُخْتي، إِنْ كُنّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَما أُوقِدَتْ في أَبْياتِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نارٌ»، فَسَأَلَها عُرْوَةُ: ما كانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالَتْ: «الأَسْوَدانِ: التَّمْرُ وَالماءُ».
وَإِنَّني لَأَظُنُّ أَنَّ كُلَّ إِجْلالٍ وَتَقْديسٍ لِلنَّبِيِّ الكَريمِ وَالصَّحابَةِ السّابِقينَ الأَوَّلينَ وَآلِ بَيْتِهِ الأَطْهارِ، كُلُّ تَقْديسٍ مِثْلَ هذا لا يَقودُ إلى اتِّباعِهِمْ في زُهْدِهِمْ وَخُلُقِهِمْ، فَإِنَّما هُوَ كَحالِ بَعْضِ المُسْلِمينَ مَعَ المُصْحَفِ الشَّريفِ يُقَبِّلونَهُ وَيَضَعونَهُ عَلَى الرُّفوفِ.. لا يَقْرَؤونَ وَلا يَقْتَدونَ.. بَلْ يَسْتَخْدِمونَ هذِهِ الرُّموزَ الدِّينِيَّةَ أَوْراقًا مُجَوَّفَةً لِبَسْطِ نُفوذِهِمْ وَضَمانِ انْقِيادِ الرِّقابِ لَهُمْ. وَاللهُ تَعالى هُوَ المُسْتَعانُ وَعَلَيْهِ التَّوَكُّلُ. د. إبراهيم الحلالشة


