العولمة والتحولات الثقافية: مقاربة تحليلية في ضوء السياق العربي/الإسلامي والدراسة المقارنة
د.فاطمة أبوواصل إغبارية

العولمة والتحولات الثقافية: مقاربة تحليلية في ضوء السياق العربي/الإسلامي والدراسة المقارنة
———————
أصبحت العولمة من أبرز الظواهر البنيوية التي أعادت تشكيل العالم المعاصر، متجاوزةً حدود الاقتصاد والتكنولوجيا لتطال البنى الثقافية والرمزية للمجتمعات. وقد أثار هذا الامتداد الثقافي إشكاليات عميقة تتصل بالهوية، والعادات والتقاليد، واللغة، وحدود التأثير المتبادل بين الثقافات. وتزداد هذه الإشكاليات تعقيدًا في السياق العربي/الإسلامي، حيث تتقاطع العولمة مع منظومة حضارية ودينية ذات مرجعية تاريخية عميقة.
الهيمنة الثقافية والاستلاب في زمن العولمة
————
تُعرَّف الهيمنة الثقافية بوصفها قدرة ثقافة مهيمنة على فرض أنماطها وقيمها باعتبارها معيارًا عالميًا، وهو ما يتجلّى في العولمة من خلال الصناعات الثقافية والإعلامية العابرة للحدود. ويؤدي هذا النمط من الهيمنة إلى الاستلاب الثقافي، حيث يُعاد تشكيل وعي الأفراد بما يجعلهم يتبنون أنماطًا سلوكية ورمزية لا تنبع من سياقاتهم المحلية.
وفي المجتمعات العربية والإسلامية، يظهر هذا الاستلاب في تراجع القيم الجماعية لصالح الفردانية، وفي إعادة تعريف مفاهيم النجاح، والحرية، وأنماط العيش وفق نموذج ثقافي خارجي.
اللغة بين العولمة والهوية
————————
تُعدّ اللغة عنصرًا مركزيًا في بناء الهوية الثقافية، ومع ذلك تشهد اللغات واللهجات المحلية تراجعًا ملحوظًا أمام هيمنة اللغات العالمية، ولا سيما الإنجليزية. ويكتسب هذا التراجع بعدًا أكثر حساسية في السياق العربي، حيث ترتبط اللغة العربية بالقرآن الكريم وبالتراث الإسلامي والفكري. إن تهميش العربية لا يقتصر على المجال اللغوي، بل ينعكس على البنية المعرفية والرمزية للمجتمع، ويُسهم في إضعاف الذاكرة الجماعية.
ثتحديات الهوية في السياق العربي/الإسلامي
——————
تواجه الهوية العربية/الإسلامية تحديًا مركبًا يتمثل في التوفيق بين الانتماء الحضاري والديني من جهة، ومتطلبات العولمة والحداثة من جهة أخرى. وقد أفرز هذا التحدي أنماطًا متباينة من التفاعل، تتراوح بين الانغلاق الدفاعي، والتبني غير النقدي للنموذج المعولم. وفي كلا الاتجاهين، تتعرض الهوية لخطر الاختزال، إما بالجمود أو بالذوبان.
تغيير العادات اليومية والبنية الاجتماعية
—————-
أسهمت العولمة في إحداث تحولات ملموسة في العادات اليومية، شملت أنماط الاستهلاك، واللباس، والعلاقات الأسرية، وطرائق التواصل. وفي المجتمعات العربية والإسلامية، أثّر هذا التحول في مفاهيم مركزية مثل الأسرة الممتدة، والتكافل الاجتماعي، والجماعة. غير أن هذه التغييرات لم تكن متجانسة، إذ أظهرت بعض المجتمعات قدرة على إعادة إنتاج عاداتها في صيغ جديدة تتلاءم مع التحولات المعاصرة.
الإطار النظري الإسلامي (الأمة – الاستخلاف – المقاصد)
—————
يوفّر الفكر الإسلامي إطارًا نظريًا قادرًا على مقاربة العولمة بصورة نقدية ومتوازنة. فمفهوم الأمة يؤكد البعد الجماعي والإنساني المشترك دون إلغاء الخصوصيات الثقافية. أما مفهوم الاستخلاف فيرسّخ مسؤولية الإنسان في إعمار الأرض والحفاظ على القيم، لا الانسياق وراء نماذج استهلاكية مفرغة من البعد الأخلاقي. في حين تتيح مقاصد الشريعة (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) معيارًا أخلاقيًا لتقييم آثار العولمة، والتمييز بين ما يخدم الإنسان وما يُفرغه من إنسانيته.
مقاربة مقارنة مع مجتمعات غير عربية
————-
تُظهر الدراسة المقارنة أن تأثير العولمة ليس حتميًا أو متماثلًا. فقد نجحت بعض المجتمعات الآسيوية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، في التفاعل مع العولمة مع الحفاظ على لغاتها وعاداتها، من خلال سياسات ثقافية واعية. في المقابل، تعاني مجتمعات أخرى من ذوبان ثقافي نتيجة ضعف البنية الثقافية والمؤسساتية. ويكشف هذا التفاوت أن الأزمة لا تكمن في العولمة ذاتها، بل في قدرة المجتمعات على إدارتها.
الآثار المزدوجة للعولمة
————
لا يمكن اختزال العولمة في بعدها السلبي، إذ أتاحت فرصًا للتبادل الثقافي، ونقل المعرفة، وتعزيز الحوار بين الحضارات. غير أن هذه الإيجابيات تبقى مشروطة بوجود وعي نقدي ومشروع ثقافي متكامل يمنع تحوّل الانفتاح إلى استلاب، والتفاعل إلى تبعية.
خاتمة
———
أن العولمة تمثل تحديًا ثقافيًا وحضاريًا يتطلب مقاربة شمولية تتجاوز الرفض أو القبول المطلق. وفي السياق العربي/الإسلامي، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الوعي بالهوية، وتفعيل الإطار القيمي الإسلامي، وتطوير سياسات لغوية وثقافية قادرة على تحقيق التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية. فالثقافات الحيّة ليست تلك التي تنغلق على ذاتها، ولا تلك التي تذوب في غيرها، بل التي تمتلك القدرة على التفاعل الواعي والتجدد المستمر



