الدين والشريعة
إقرأ. تدبّر. إجتهد رؤية * هذه السلسلة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية – * سلسلة خاصّة بالعشر الأواخر من رمضان وعنوانها: “العشر الأواخر من رمضان: فضائلها، عباداتها، وأثرها بعد الرحيل”
الدعاء في العشر الأواخر: مفتاح الخير في الليالي المباركة" (4)

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد
مقدمة
العشر الأواخر من رمضان هي تاج الشهر وأيامه الأثمن، اختصها الله بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وجعلها محطة للتزود بالطاعات، ومن أهم العبادات التي تتأكد فيها: (الدعاء)، إذ هو مفتاح الخير وذروة العبودية، به يحقق العبد كمال افتقاره لربه، ويتضرع إليه سائلاً كل خير في الدنيا والآخرة.
*الدعاء في العشر الأواخر: عبادة جامعة
الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة» (رواه أحمد)، وهو الصلة المباشرة بين العبد وربه، لا يحتاج إلى وسيط، ولا يحده مكان أو زمان، لكنه في العشر الأواخر يكون أشد تأكيدًا، إذ اجتمع فيها فضل الزمان، وفضل الاجتهاد النبوي، وفضل ليلة القدر.
وقد ورد في الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سألت النبي ﷺ: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”. فهذا توجيه نبوي بأن الدعاء في هذه الليالي ينبغي أن يكون مركِزًا على المغفرة والرحمة، وهو مفتاح القبول عند الله.
* مظاهر الاجتهاد النبوي في الدعاء
كان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر بعبادات مكثفة، ومن أعظمها الإكثار من الدعاء، فكان يعتكف في المسجد، ويطيل القيام والركوع والسجود، ويبكي بين يدي ربه، يطلب المغفرة والرحمة، حتى تتورم قدماه، وكان يقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (رواه البخاري ومسلم).
– ومن هديه أنه كان يدعو بجوامع الدعاء، فلم يكن يقتصر على طلب الحاجات الدنيوية، بل كان يسأل الله خير الآخرة، وكان يستعيذ من الشرور بجميع أشكالها، ومن دعائه: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (رواه مسلم).
* الدعاء وسر التوقيت في العشر الأواخر
لماذا يكون الدعاء في العشر الأواخر أعظم أثرًا؟
• لأنها مظنة ليلة القدر: قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، وفيها تتنزل الملائكة وتُكتب مقادير السنة، والدعاء فيها يغير الأقدار، كما جاء في الحديث: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» (رواه الطبراني والترمذي).
• لأنها ليالٍ مشحونة بالروحانية: حيث تخلو القلوب من شواغل الدنيا، وتنقطع عن المُلهيات، فيكون القلب أقرب إلى الإخلاص والخشوع.
• لأنها فرصة لمحو الذنوب: ففيها تكفير للخطايا وإطلاق لرقاب العباد من النار، كما جاء في الحديث: «إن لله عتقاء في كل ليلة من رمضان» (رواه الترمذي).
* أدب الدعاء وأسباب القبول
حتى يكون الدعاء في العشر الأواخر مقبولًا، لا بد من مراعاة آدابه وأسباب قبوله، ومنها:
• اليقين بالإجابة: قال النبي ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» (رواه الترمذي).
• التذلل والانكسار بين يدي الله: فمن أحب السجود إلى الله سجود العبد الذي يسأله بافتقار.
• تحري أوقات الإجابة: كالسجود، والثلث الأخير من الليل، وعند الإفطار، وبين الأذان والإقامة.
• الابتعاد عن موانع القبول: كالمال الحرام، والظلم، والغفلة عن الله.
• الإلحاح والتكرار وعدم استعجال الإجابة: فقد قال النبي ﷺ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» (رواه البخاري ومسلم).
* ماذا ندعو في العشر الأواخر؟
على المسلم أن يكون دعاؤه شاملاً، فيسأل الله:
• العفو والمغفرة: كما علم النبي ﷺ عائشة.
• صلاح القلب والنية والعمل: فالقلب هو محل نظر الله.
• سعادة الدارين: ففي الحديث: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة» (رواه البخاري).
• العزة للإسلام والمسلمين: فالدعاء للأمة جزء من واجب المسلم.
• الستر وحسن الختام: فمن مات على طاعة نال الفلاح الأبدي.
* خاتمة
• إن العشر الأواخر ليست مجرد ليالٍ عابرة، بل هي موسم العمر، ولحظات الاصطفاء، وأيام العتق والمغفرة. ومن أدركها وأحسن الدعاء فيها، فقد فاز بنعمة لا تعوض. فهل نغتنم هذه الفرصة بالدعاء الصادق؟..
* عنوان مقالة الغد إن شاء الله: العشر الأواخر والتوبة النصوح: فرصة جديدة لبداية نقية
* تقبل الله الصلاة والصيام والقيام وسائر الطاعات وبلّغنا وإياكم ليلة القدر.
* مقالة رقم: (1910)
* 24. رمضان . 1446 هـ
* الأثنين. 24.03.2025م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صُهيب)