مكتبة الأدب العربي و العالمي

حكاية يحيى وماريوس أبناء يوحنّا من زمن الخيال لقاء مع الفتاة مريم (الحلقة 3 )

بقلم : أنيس بن هالي

صار يحيى لا يفارق أباه ويمضيان النّهار في المعمل ،وأوجدا طريقة جديدة لزيادة نقاوة المعادن وفصل الشوائب عنها ،وأيضا قاما بتقوية الفولاذ بإضافة الفحم إليه ،وتوسعا في تجاربهما إلى تلوين الزّجاج ،وصناعة مواد جديدة للصّباغة من الأحجار والنبات ،ورغم تعب يوحنا ،وسهره الليالي لم يهتمّ التّجار كثيرا بشغله ،فقد كانوا يجدون أنّ تلك الأشياء تحتاج إلى درجة عالية من المهارة ،و ليسوا مستعدّين لتعليم صّناعهم ،فهم يربحون جيّدا بما ينتجونه من بضاعة، لكن ذلك لم ينقص من عزيمة الشّيخ ،وإبنه، فدائما الأشياء الجديدة يلزمها الوقت لقبولها ،أمّا يحيى فصار يخرج في أوقات فراغه للتّجوّل في القرية ،وهو أكثر ثقة في نفسه ،وكان ينظر لأقرانه يجلسون مع فتيات جميلات كالقمر تحت ظل الأشجار،وهم يتهامسون ويضحكون في سعادة ،فأعجبه ذلك ،وأصبح يتردّد على الإحتفالات ،والأعياد لعلّه يصادق أحد الفتيات ،لكنهّن لم يكنّ يهتممن به ،فلم يكن أشقر كبقيّة شباب السّريان ،وملامحه كانت خشنة مثل أبناء البدو ، ورغم عنايته بنفسه ،وهندامه إلا أنّه بقي وحيدا، يعاني من الحزن .
وفي الأخير فكّر في حيلة ،واستغل براعته في الكيمياء لصناعة الصّابون المعطّر، ومستحضرات الزّينة من الأعشاب التي تعلّم أسرارها، ثمّ نزل ببضاعته لسّوق القرية ، وصارت البنات يقتربن منه ،ويشترين من عنده، ويحادثنه ،وفي اليوم الأوّل باع كلّ ما صنعه في ساعة ،ورجع راضيا عن نفسه ،ولمّا رأى يوحنا ما ربحه من مال تعجّب ،وقال له :أنت لك عقليّة التّاجر ،وتعرف كيف تنتهز الفرصة ،لكن ذلك لا يجب أن يثنيك عن مواصلة التّعلم ،فما تعرفه الآن ليس إلا نقطة في بحر ،أجابه يحيى :لا تقلق يا أبي ،فقد صرت شابّا ،ولا أريد أن أمدّ يدي إليك لأطلب درهما ،كما يفعل الصّبيان !!! ضحك يوحنا، وقبّله ،وقال :إني أفرح يا يحيى لمّا أقوم بذلك، فلا أحس بالكبر ما دمت أعطيك من صرّة نقودي ،صار يحيى ينزل إلى السّوق بعد أن يتعطّر،ويمشط شعره ،ويشذّب لحيته ،فيبيع بضاعته، ويضحك مع البنات ،وسمعت به نساء الأغنياء، فصرن يأتين إليه ،ويوصينه على الزّينة، والمراهم ،فيصنعها لهنّ ،وفي أحد الأيام أتته فتاة إسمها مريم ،وكانت جميلة جدا ،لكنها تشكو من البثور في وجهها ،فقال لأمّها: إن شئت صنعت لها مرهما يشفي علّتها ،ردّت المرأة: إن فعلت ذلك أعطيتك صرّة كبيرة من الدراهم ،فلم نجد لهذه البثور علاجا !!!
بعد أيّام شفيت مريم ،وجاءته بالمال ،وقالت: له هذه الصّرة لك ،لكنه ردّها لها ،وقال :الدواء هدية منّي ،في الغد رجعت البنت ،وتحادثت معه قليلا ،وقالت أنّ ذوقه جميل في إختيار روائح ومكوّنات عطوره ومراهمه ،وكلّ ما يصنعه يعجبها ،أحسّ يحيى بالزّهو ،فمريم كانت شقراء وجميلة ،ولم تهتمّ لأصله ،بل به كإنسان ذواق ،وفنّان وأوّل مرة يشعر بالحبّ ،وأنّه إنتصر على جماعة يوحنا الذين كانوا يسخرون منه ،لاحظ أخاه ماريوس الفرحة على وجه يحيى ،وقال له : إن لم أكن مخطئا فهناك امرأة في حياتك !!!فأومأ له برأسه ،فصاح ماريوس: هذا خبر مفرح يا أخي ،تمتع بحياتك ،فأنت صرت كالفأر ،لا تغادر معمل أبيك ،وتنام فيه من شدّة التّعب .
أحد الأيّام جاء يحيى لأبيه ،وقال له: مستحضرات الزّينة التي أبيعها ليست كافية ،و النّساء يساومن حتى على ربع درهم !!! ماذا يجب علي أن أفعل لأزيد من ربحي ؟ استغرب الشّيخ من هذا السّؤال ،وأجابه : لماذا يا بنيّ، هل ينقصك شيء ؟ ،تردّد الفتى ،وقال له :أريد أن أخطب إحدى الفتيات، لكن عائلتها ميسورة ،وهم من أكابر التجار ،وأنا ولد فقير!!! ظهر الامتعاض على وجه يوحنا، وأجابه : المستقبل أمامك يا إبني ،ونحن لسنا فقراء ،بل إخترنا طول حياتنا أن نساعد الناس من المرضى ،وصنعنا العقاقير، وبعناها بثمن بخس ،كلّ أهل القرية يعلمون مروءتنا، وفضلنا ،قل لي عن الفتاة لأخطبها لك ،فأنا أعرف كل أهل القرية ، لكن يحيى قال : سأجمع المال أوّلا، وعندئذ سيحترمني أهلها !!!
أجاب الشيخ يوحنا : حسنا يا إبني ،ليس أمامك إذن سوى أن تنزل لأسواق أنطاكية، وتقابل التّجار، وسأرسلك لواحد من معارفي ،واسمه جابر البغدادي ،وسيأتي إليك لحد دارنا ،لشراء بضاعتك بثمن غال، فهو يعرف جودة صنعتنا ،ولن تخسر وقتك في البيع،هل رضيت الآن ؟ فقبّل يحيى يديه ،وقال :لتحلّ عيك بركات العذراء يا أبي …

يتبع الحلقة 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق