مكتبة الأدب العربي و العالمي

الساحر_بنشكين الجزء الرابع

وبعد ذلك مباشرة، سمعت الأميرات الست بكاء ابن
أختهن، وعندما صعدن إلى الطابق الأعلى، ذهلن لرؤيته وحيداً، ولم تكن «بالنا» على مقربة منه، ثم سألن الخدم، وعندما سمعن عن الدرويش والجرو الأسود، أدركن ما حدث، وأرسلن الخدم في كل اتجاه بحثاً عنهما، ولكن لم يتم العثور على الدرويش ولا على الكلب.
ما الذي  بوسع  ست نساء مسكينات فعله؟
فقدن كل الأمل في إمكانية رؤية أزواجهن الطيبين وشقيقتهن
وزوجها مرة أخرى، وكرسن أنفسهن منذ تلك اللحظة فصاعداً لرعاية ابن أختهن وتعليمه.
ومرت الأيام، حتى بلغ ابن «بالنا» سن الرابعة عشرة. وفي أحد الأيام، أخبرته خالاته بتاريخ أسرته، وما كاد يسمع بذلك تملكته رغبة جامحة للذهاب بحثاً عن أبيه وأمه وأعمامه، قائلاً إنه إذا ما نجح في العثور عليهم أحياء، فسيعيدهم إلى الديار مرة أخرى.

حاولت خالاته الهلعات ثنيه عن عزمه، قائلات:
«لقد فقدنا أزواجنا وشقيقتنا وزوجها، وأنت الآن أملنا الوحيد، فإذا ما ذهبت، ما الذي سنفعله؟». ولكنه رد قائلاً: «أتوسل إليكن ألا تثنينني عن ذلك، سأعود قريباً، وإذا أمكن، سأعود بأبي وأمي وأعمامي».
وهكذا، شرع برحلاته، ولكنه لم يستطع طوال أشهر معرفة شيء يساعده في بحثه.

أخيراً، بعد أن قطع مئات الأميال، وكاد أن يقطع الأمل
في سماع أي شيء عن أبويه وأعمامه، وصل إلى بلد مليء
بالصخور والأحجار والأشجار، وهناك شاهد قصراً كبيراً
له برج مرتفع، وخلفه كوخ صغير تسكنه زوجة البستاني،
وعندما كان يتطلع من حوله، رأته زوجة البستاني فهرعت
نحوه قائلة: «يا ولدي، من أنت لتجرؤ على المغامرة في
الدخول إلى هذا المكان؟».
فأجاب «أنا ابن أمير، وأنا أبحث عن أبي وأعمامي، وعن
أمي التي سحرها ساحر شرير » .
ثم قالت زوجة البستاني: «هذا البلد وهذا القصر يعودان
لساحر كبير متجبر، وإذا ما أزعجه أي إنسان، يستطيع أن
يحوله إلى حجر وأشجار.

فكل الصخور والأشجار التي تراها هنا كانت بشراً في وقت ما، وحولهم الساحر إلى ما تراهم عليه الآن.

مرة جاء أحد أبناء الأمراء، وبعد ذلك بوقت قصير وصل
إخوته الستة، وحولهم جميعاً إلى صخور وأشجار، وهم
ليسوا الوحيدين غير المحظوظين، إذ تعيش هناك أميرة جميلة، حبسها الساحر منذ اثني عشر عاماً، لأنها تكرهه ورفضت الزواج منه » .

فكر الأمير الصغير: «لابد من أن هؤلاء هم والداي وأعمامي،أخيراً وجدت ما أبحث عنه».

سرد قصته لزوجة البستاني ورجاها أن تساعده في البقاء في ذلك المكان لفترة من الزمن، لكي يستقصي أكثر عن أولئك الناس الذين ذكرتهم. وعدته بأن تساعده قدر ما تستطيع، ونصحته بأن يتخفى عن أنظار الساحر ، حتى لا يحوله إلى حجر أو شجر بالطريقة نفسها.
وافق الأميرعلى ذلك. فألبسته زوجة البستاني «ساري» وقالت له أن يتظاهر بأنه ابنتها.
في أحد الأيام، وبعد فترة ليست بالقصيرة، وفي أثناء تجوال الساحر في حديقته، رأى الفتاة الصغيرة (كما اعتقد) تلعب من حوله وسألها عمن تكون. فقالت له إنها ابنة البستاني.

قال الساحر : «أنت فتاة صغيرة وجميلة، وغداً ستأخذين باقة من الزهور هدية مني إلى السيدة الجميلة التي تعيش في البرج».
سر الأمير الشاب كثيراً بذلك، وذهب على الفور لإبلاغ
زوجة البستاني، وبعد التشاور معها قرر أنه سيكون أكثر أماناً له لو بقي متخفياً وانتظر فرصة سانحة لإقامة نوع من التواصل مع والدته، إن كانت هي والدته بالفعل.

حدث أن زوج بالنا كان قد منحها عند زواجها، خامماً ذهبياً صغيراً حفر عليه اسمها، وكانت قد وضعت الخاتم في خنصر ابنها عندما كان طفلا، وبعد أن كبر، طلبت خالته أن يتم تكبيره بحيث تمكن من لبسه في يده. فنصحته زوجة البستاني بأن يربط ذلك الخاتم بإحدى باقات الورد التي سيقدمها لأمه، ويترك لها أمر تمييزه . وما كان ذلك بالأمر الهين، لأن هناك مراقبة شديدة مفروضة على الأميرة المسكينة (خشية أن تتوصل مع أحد)، رغم السماح لابنة البستاني المزعومة بنقل الزهور إليها كل يوم، حيث يكون الساحر أو أحد عبيده موجوداً دائماً في الغرفة في ذلك الوقت .

وأخيراً، وفي أحد الأيام، توافرت له الفرصة، حين لم يكن أحد يراقبه، ربط الولد الخاتم بباقة ورد صغيرة ورماها عند قدمي «بالنا».

سقط الخاتم مقرقعاً على الأرض، ووجدت «بالنا»، وهي
تبحث عما أحدث ذلك الصوت الغريب، الخاتم الصغير مربوطاً بباقة الزهور، فعرفته فوراً، وصدقت القصة التي أخبرها بها الفتى عن بحثه الطويل وتوسلت إليه أن ينصحها بما يجب عليها فعله.

وفي ذات الوقت توسلت إليه لا يخاطر بأي حال من الأحوال بحياته وهو يحاول إنقاذها. أخبرته أن الساحر حبسها طيلة اثني عشر عاماً في البرج لأنها رفضت الزواج منه، وأنها خاضعة لحراسة مشددة بحيث لم تعد ترى أملاً في التحرر من حبسها.

كان ابن «بالنا» ولداً ذكياً لماحاً، وقال «لا تقلقي يا أمي
العزيزة، أول ما يجب أن نعرفه هو طول عمر قوته السحرية لكي نتمكن من تحرير أبي وأعمامي الذين حبسهم في شكل صخور وأشجار. لقد كنت طوال الاثنتي عشرة سنة الماضية تتحدثين
إليه بغضب، والآن أطلب منك أن تكلميه بلطف. قولي له إنك تخليت عن كل آمالك في رؤية الزوج الذي طالما حزنت عليه، وإنك مستعدة للزواج منه. ثم حاولي اكتشاف سر  قوته وإن كان من الخالدين أم ممن يمكن أن تنتهي حياتهم بالموت».

قررت «بالنا» أن تأخذ بنصيحة ابنها، وفي اليوم التالي أرسلت
في طلب بنشكين ، وتكلمت معه كما طلب منها ولدها.
سر الساحر كثيراً وتوسل إليها أن يعقد الزفاف بأسرع
وقت ممكن.
قالت له إنه قبل أن تتزوج منه لابد أن يمنحها بعض الوقت لكي تتعرف عليه أكثر، فبعد العداء المتمادي بينهما لن تتحسّن علاقتهما إلا بالتدريج.

ثم قالت: «أرجوك أخبرني أأنت مخلوق خالد؟ ألا يطاولك الموت؟ وهل أنت ساحر كبير إلى درجة أنك لا تعاني مما يعانيه البشر؟».
رد عليها متسائلاً: «لم تسألين؟».

قالت: «لأنني إذا أصبحت زوجتك، أريد أن أعرف كل
شيء عنك، لكي أتمكن على الأقل من تجنب أي كارثة قد
تحدق بك».
فقال: «هذا صحيح، أنا لست كالآخرين. هناك على بعد
مئات آلاف الأميال، بلد مهجور تغطيه غابة كثيفة ووسط
الغابة تنمو حلقة من أشجار النخيل وفي وسط الحلقة ثمة ستة أحواض مليئة بالماء مكدسة فوق بعضها بعض، وتحت الحوض السادس، ثمة قفص صغير فيه ببغاء أخضر صغيراً.
وعلى حياة الببغاء تقوم حياتي، فإذا ما قتل الببغاء انتهت حياتي.
ومع ذلك فمن المستحيل أن يصاب الببغاء بجرح، أولاً بسبب عدم إمكانية الوصول إلى ذلك البلد، وثانياً لأنني وضعت لحراسته آلاف الجن الذين يحيطون بأشجار النخيل، والذين يقتلون كل من يحاول الاقتراب من المكان».

يتبع الاخير والنهايه

حاكيا العالم الاخر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق