مكتبة الأدب العربي و العالمي

الجهاد البحري و التحرشات الأوروبية على الجزائر

كان الجهاد البحري في الجزائر رد فعل مباشر على التهديدات المسيحية التي اتخذت أثر سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي شكل حملة صليبية يباركها البباوات بروما و تزكيها الحكومات الأوروبية و تتزعمها اسبانيا الكاثوليكية التي بدأت تتدخل في شؤون الزيانيين بتلمسان، و الحفصيين بتونس، و تستولي على المدن الساحلية، و تتدخل في الجهات المتاخمة لوهرن.

فلولا تدخل الأخوين عروج و خير الدين بربروسة و من ناصرهم من أتراك و أندلسيين و أهالي البلاد لتغيير الطابع الحضاري لبلاد المغرب العربي و لنفذ الإسبان مخطط {الريكونكيستا} و لعرفت الأقطار الإسلامية بشمال أفريقيا نفس مصير الأندلس. و في هذا النطاق نعتبر بحق أن الجهاد البحري الجزائري أو كما يسميه الأوروبيين “قرصنة” هو عمل شرعي و حق مشروع في دفاع عن النفس.
و قد اتخذ هذا الصراع البحري منذ استقرار الأتراك بالجزائر أبعادا عالمية، فاندرج في إطار النزاع بين القوتين العالميتين المتصارعين للفوز بسيادة على حوض البحر المتوسط، الذي أصبح ميدانا للصدام بين القوة الإسلامية و المسيحية، و أثناء ذلك تمكن البحارة الجزائريون في الفترة الممتدة بين 1528 و 1584 من شن ثلاثة و ثلاثين غارة بحرية ناجحة على السواحل الإسبانية أنقذوا أثناءها كثيرا من الأندلسيين المهددين بالتنصير أو الموت، ومن أشهر هذه الغارات نذكر الغارة التي شنها ايدين ريس و صالح ريس سنة 1529، بأمر من خير الدين، و تمكنا أثناءها من حمل 600 مسلم من نواحي بلنسية كانوا يتجمعون عند مصب نهر أوفيلا (ovila) ، و رغم اعتراض السفن الإسبانية لهم في مياه الجزر الشرقية و وقوع معركة بحرية ضاربة، استطاعوا العودة باللاجئين الأندلسيين إلى الجزائر. و كذلك نشير إلى العمليات الحربية التي قام بها كل من حسن فنزيانو، و مراد رايس فقد نقل حسن فنزيانو عام 1584 حوالي ألفين من مسلمي الأندلس كانوا يتعرضون للإضطهاد في جهات أليكانت، في الوقت الذي حمل فيه. بحارة جزائريون آخرون سكان كولونيا على ظهر سفنهم إلى الجزائر سنة 1585م، و تعرضت في نفس الفترة سواحل لورقة و ضواحي قرطاجنة الى هجمات مباغتة من االرياس الجزائريين.
و مما ساعد على ازدياد نشاط نشاط البحرية الجزائرية التحاق الكثير من البحارة الأتراك و الأندلسيين بالجزائر للعمل في البحرية، و مجيء جماعات من الأوروبيين للمشاركة في الغارات البحرية قصد الحصول على الغنائم و الأرباح و بعضهم وقع في الأسر و اعتنق الإسلام و استقر بالجزائر، و هم يتوزعون على أغلب الأمم الأوروبية، و إن كان أغلبهم من النابوليتانيين، و الكرسكيين، السردانيين، المايورقيين و الإغريق و القليل منهم من الفرنسيين و الإنكليز و الهولنديين و الإسبان.

و ما ساعد على نجاح البحرية الجزائرية في عملياتها ضد السواحل الأوروبية استعمال البحارة الجزائريين لنوع من السفن الصغيرة التي تتميز بخفتها و سرعة حركتها و قدرتها على المناورة و هي من نوع القاليوطات و البريكات(brigantins et gaiots)
و الإلتجاء إلى استخدام السفن المستديرة المقدمة القادرة على الملاحة في أعالي في أعالي البحار و بفضل هذه الأنواع من السفن تمكن البحارة الجزائريين من من عبور مضيق جبل طارق و الوصول إلى سواحل جزيرة ماديرا عام 1617م، و البلوغ إلى شواطئ اسكتلندا عام 1616م، و انكلترا 1631م.
و قد بلغ هذا النشاط البحري أوجه في منتصف القرن السابع عشر، و أصبح يتحكم في أوضاع البلاد و يقوم عليه النشاط الاقتصادي للسكان بحيث غدت مغانم الجهاد البحري و ما يتصل بها من أسرى اتاوات توفر مصادر الرزق و وسائل العيش لأغلب سكان المدن.
.
المرجع
كتاب الجزائر في التاريخ ناصر الدين سعيدوني.

مجلة التاريخ الاسلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق