نشاطات

التنقيح بين الاعتراض والقبول الشاعر وحيد راغب

خاصية تعنى التعديل للأحسن خاصة فى الاعمال الفنية , وذلك بالحذف أو الاضافة أو الاستبدال , وهى موجودة من القدم , اتخذها بعض الادباء طريق لهم , واعتقد أن العمل الأولى يكون به ضعف أو تسرع , واتكون القريحة الادبية عالية هنا منخفضة هناك , أو يكون الاديب محب لذلك , فهى لا تشين ولا تقلل من الاديب وقدراته ومواهبه مع ان الكثير من الادباء يرفضون ذلك ويعدونه تلاعب فى العمل , فالانسان وقت توهجه واشراقه اثناء العمل يكون بين الوعى واللاوعى ومشحون بعاطفة كبيرة وترابطات وعلاقات لا يجدها بعد صحوه من هذه الحالة , وانا من هؤلاء لا أحب التنقيح أبدا الا نادرا واترك العمل كما كتب .
فمن الذين يعتمدون على التنقيح من المشاهيرالقدامى وفى زمننا القريب ” زهير بن أبى سلمى فى حولياته أى لا تخرج القصيدة من يده الا بعد عام لتنقيحها عدة مرات فتكون جيدة السبك وان ضعفت العاطفة –محمود سامى البارودى الوزير المصرى المولدوالشرطسى الاصل – أحمد شوقى الكردى الاصل والمصرى المولد”
فهؤلاء كان التنقيح عندهم كبير وكثير , فقد وجدت القصيدة فى أكثر من قرطاس أى دفتر وبأشكال مختلفة , ولم يعب عليهم أحد بل استحسن المتلقى ذلك , وكذلك النقاد .
وهندسة الرواية والقصة قد تحتاج الى هذا التنقيح بالتأخير والتقديم وتغيير فى مجرى الشخصيات , وهذا لايعيب بل يعطى حبكة فنية للعمل
والتنقيح يعنى التصحيح ايضا وخاصة خارج الادب , فتعديل سلوك المرء تنقيح وتصحيح , طبعا الى الاحسن والاصوب والاجمل .
وهاك اشعار من ذكرتهم ممن تمادوا فى التنقيح :
قصيدة (وداع وطن)للبارودى شاعر النهرين:

مــحــا البــيــنُ ما أبقتْ عيون المها مني فـشِـــــــــبتُ ولم أقضِ اللُّبانة من سني
عـــناءٌ ، ويــــأسٌ ، واشــــتيــــاقٌ وغــربةٌ ألا ، شــدَّ ما ألقـــــاه في الدهر من غبنِ
فإن أكُ فــــارقـــــــتُ الــــديار فـــلي بـها فُــــــؤادٌ أضـــــــلتْهُ عــــيـــون المها مِني
بعــــثــــتُ به يــــوم النـــوى إثـــــرَ لَحْظَةٍ فأوقــــعــــه المِقدارُ في شَـرَكِ الحُــسنِ
فـــهل من فتى في الدهــــر يجمع بـينـنا فـــلـــيــس كِلانا عــن أخــيه بمـسـتغــنِ
ولــما وقـــفــــنـا لِلــوَدَاع ، وأســـبَــلَـــتْ مـــــدامـــعنا فـــــوق التـــرائب كالمـــزن
أهـــبتُ بـــــــصبري أن يعودَ ، فــعـــزنـي وناديت حــلــمــي أن يـثــوب فــلــم يُغـنِ
ولمْ تَــمـْــضِ إلا خَــطْــرَةٌ ، ثــــم أقلــعـت بنا عـــن شطوط الحـــي أجـنِحةُ السُّفْـنِ
فـكم مُـــــهجةٍ من زَفْرَةِ الوجدِ في لــظى وكم مُقـْــــلَةٍ مِنْ غــزرة الدمــع في دَجْنِ
ومـــا كــــنتُ جــــربتُ النـــوى قبل هـذه فـــلما دهــــتني كِدتُ أقــضي من الحزن
ولكـــنني راجـــعــــتُ حِــــلْمـِي ، وردني إلى الحَــــزْمِ رأيٌ لا يــحـــومُ عــلـى أَفْنِ
وقصيدة :
هَـلْ مِنْ طَبِيبٍ لِدَاءِ الْحُبِّ أو رَاقِي ؟ يَـشْـفِـي عَـلِيلاً أخا حُزْنٍ وإيراقِ
قَـدْ كان أَبْقَى الهوى مِنْ مُهجَتي رَمَقًا حَتَّى جرى البَيْنُ ، فاستولى على الباقي
حُـزْنٌ بَرَانِي ، وأشواقٌ رَعَتْ كبدي يـا ويـحَ نـفسي مِنْ حُزْنٍ iiوأشْوَاقِ
أُكَـلِّـفُ الـنَفْسَ صَبْراً وهي جَازِعَةٌ والـصـبرُ في الحُبِّ أعيا كُلَّ iiمُشتاقِ
لافـي (( سرنديبَ )) لِي خِلٌ ألُوذُ بِهِ وَلَا أَنِـيـسٌ سِـوى هَمي وإطراقِي
أبِـيـتُ أرعـى نـجوم الليلِ مُرْتَفِقًا فـي قُـنَّـةٍ عَـزَّ مَرْقاها على الراقي
تَـقَـلَّدَتْ من جُمانِ الشُهبِ مِنْطَقةً مَـعـقُـودةً بِـوِشَـاحٍ غَيرِ مِقْلاقِ
كـأن نَـجْـمَ الثريا وهو مُضْطَرِبٌ دُونَ الـهِـلالِ سِـراجٌ لاحَ في طاقِ
يا (( روضة النيلِ )) ! لا مَسَّتْكِ iiبَائِقَةٌ ولا عَـدَتْـكِ سَـمَـاءٌ ذَاتُ iiأَغْدَاقِ
ولا بَـرِحْـتِ مِـنً الأوراقِ في حُلَلٍ مِـنْ سُـنْـدُسٍ عَبْقَرِيِّ الوَشْيِ بَرَّاقِ
يـا حـبـذا نَـسَمٌ مِنْ جَوِّهَا عَبِقٌ يَـسـرِي عـلى جَدْوَلٍ بالماءِ دَقَّاقِ
بـل حَـبَّـذا دَوْحَةٌ تَدْعُو الهدِيلَ بِها عِـنـدَ الـصَّـبَاحِ قَمَارِيٌ بأطواقِ
مَرْعى جِيادي ، ومَأوَى جِيرتي ، وحِمى قَـومـي ، وَمَـنْـبِتُ آدابي وأعراقي
أصـبـو إلـيها على بُعْدٍ ، ويُعجبني أنـي أعِـيـشُ بِـها في ثَوْبِ إملاقِ
وكـيـفَ أنسى دياراً قَدْ تَرَكْتُ بِها أهـلاً كِـراماً لَهُمْ وُدِي وإشفاقي ؟
إذا تَـذَكَّـرْتُ أيـامـاً بِهِم سَلَفَتْ تَـحَـدَّرَتْ بِـغُـرُوبِ الدمع iiآماقي
فَـيَـا بَـرِيدَ الصَّبا بَلِّغْ ذَوِي رَحِمِي أنـي مُـقـيـمٌ عَلَى عَهْدي ومِيثاقي
وإن مَرَرْتَ عَلَى (( المِقْياسِ )) فَاهدِ iiلَهُ مِـنـي تـحـيـةَ نَفسٍ ذاتِ أعلاقِ
وَأَنـتَ يـا طـائـراً يبكي على فَنَنٍ نـفـسي فِدَاؤُكَ مِنْ سَاقٍ على سَاقِ
أَذْكَـرْتَـني مَا مَضى وَالشَمْلُ مُجتَمِعٌ بِـمِصْرً والحربُ لم تنهض على ساقِ
أيـامَ أسـحـبُ أذيال الصِبا مَرِحاً فِـي فِـتْـيـةٍ لِـطَرِيقِ الخير سُبَّاقِ
فَـيَـالَـهـا ذُكْرَةً ! شَبَّ الغَرَامُ بِها نَـاراً سَـرَتْ بَـيْنَ أرداني وأَطْوَاقي
عَـصْرٌ تَوَلَّى ، وأبْقَى فِي الفُؤَادِ هَوى يَـكَـادُ يَـشْـمَلُ أحشائي بإحراقِ
وَالـمـرْءُ طَـوْعُ الـليالي في تَصَرُّفِها لا يـمـلـكُ الأمرَ مِنْ نُجْحٍ وإخفاقِ
عَـلَـيَّ شَـيْمُ الغَوَادي كلما بَرَقَتْ وَمَـا عَـلَـيَّ إذا ضَـنَّـتْ بِرقْراقِ
فـلا يَـعِـبْني حَسُودٌ أنْ جَرى قَدَرٌ فَـلَـيْـسَ لـي غَيْرُ ما يقضيهِ خَلَّاقي
أسـلـمْتُ نفسي لمولًى لا يَخِيبُ iiلهُ راجٍ عَـلَى الدَهْرِ ، والمولى هُو iiالواقي
وَهَـوَّنَ الـخـطبَ عِندِي أنني iiرَجُلٌ لاقٍ مِـنَ الـدهرِ مَا كُلُّ امرِئٍ iiلاقي
يـا قَـلْـبُ صَـبْراً جمِيلاً ، إنهُ iiقَدَرٌ يـجـري عـلى المرءِ مِنْ أَسْرٍ وإطلاقِ
لابُـدَّ لِـلـضيقِ بَعْدَ اليأسِ مِنْ فَرَجٍ وَكُـلُّ داجِـيَـةٍ يـومـاً لإشـراقِ
ولشوقى أمير الشعراء :
ريم على القــــــاع بين البان والعلم *** أحل سفك دمى في الأشــهر الحرم
رمى القضــــاء بعيني جؤذر أسدا *** يا ساكن القــاع، أدرك ســــاكن الأجم
لما رنا حدثتني النفــــــــــس قائلة *** يا ويح جنبك بالســــهم المصيب رمي
جحدتها و كتمت الســــــهم في كبدي *** جرح الأحبـــــه عندي غير ذي ألم
رزقت أسمح ما في الناس من خلق *** إذا رزقت التمــاس العذر في الشيم
يا لائمي في هواه، والهــــوى قدر *** لو شفك الوجــــــد لم تعــــذل ولم تلم
لقد أنلتـــــــــــــك أذنا غـــير واعية *** ورب منتصت والقـــــــلب في صــــــمم
يا ناعس الطرف،لا ذقت الهوى أبدا *** أسـهرت مضناك في حفظ الهوى فنم
وقصيدة :
خَـدَعوهــــــــا بـقـولـهم حَــسْـنــاءُ والغَواني يَغُـرٌهُــــــــنَّ الــثَّــــــــنـاءُ
أَتـراهــا تـنـاسـت اسـمي لمــــــا كثرت في غـرامـها الاسْمــــــــــاءُ
إن رَأَْتْنِي تميـلُ عـنـي ، كـــأن لم تك بـيــني وبيـنهـا اشْــــــــــيـــاءُ
نـظـرة ، فابـتـسامـة ، فـســــلامُ فكلام ، فموعــد ، فـَلـِـــــــــــقــاءَ
يـــوم كنا ولا تســـــل كيف كـنـــا نـتهادى من الـهـوى مـا نشــــــاءُ
وعلينــا من العفـــــــــاف رقـيــــبُ تــعـبـت في مـراسه الاهْــــــــواءُ
جَاذَبَتْني ثَوبي العَصـيِّ وقــالَـــتْ أنتــم النــاس أيهــا الشـــــــعـراء
فَاتّقوا اللـه في قُلـــوبِ اَلْـعَـــذَارَى فالعـذارى قـُلوبـُهـُن هَـــــــــــــــواءُ
وقصيدة:
يا جارةَ الوادي ، طَرِبْتُ وعادنـــــــي ما يشبهُ الأَحلامَ من ذكـــــــــــــراك
مَثَّلْتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى والذكرياتُ صَدَى السنينَ الحـــــاكي
ولقد مررْتُ على الرياض برَبْـــــــــــوَةٍ غَنَّاءَ كنتُ حِيـــــــــــــالَها أَلقـــــــــاك
ضحِكَتْ إِليَّ وجُوهــــــــها وعيــــونُها ووجدْتُ في أَنفاســــــــــــــها ريّـــاك
لم أدر ما طِيبُ العِناقِ على الهــــوى حتى ترفَّق ســـــــــاعدي فطــــــواك
وتأَوَّدَتْ أَعطــــــــافُ بانِك في يـــدي واحــــــــمرّ من خَفَرَيْهما خــــــــدّاك
ودخَلْتُ في ليلين : فَرْعِك والُّدجـى ولثمتُ كالصّبح المنــــــــــوِّرِ فــــــاكِ
ووجدْتُ في كُنْهِ الجوانحِ نَشْــــــــوَةً من طيب فيك ، ومن سُــــلاف لَمَاك
وتعطَّلَتْ لغةُ الكـــــــــــــلامِ وخاطبَتْ عَيْنَىَّ في لغة الهــــــــــــــوى عيناك
ومَحَــــــــوْتُ كلَّ لُبانةٍ من خاطـــــري ونَسِيتُ كلَّ تَعـــــاتُبٍ وتشـــــــــاكي
لا أمسِ من عمرِ الزمــــــــــان ولا غَدٌ جُمِع الزمانُ فكان يومَ رِضـــــــــــــــاك
وزهير بن ابى سلمى :
سئمت تكاليف الحيـاة ومن يعش*****ثمانين حولا لا أبـا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب*****تمته ومن تخطىء يعمر فيهرم
ومن يعص أطرف الزجاج ، فأنـه*****يطيع العوالي ركبت كل لهذم
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه*****إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه*****ولو رام أسباب السماء بسلم
ومن يك ذا فضل , فيبخل بفضله*****على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه،*****ولا يعفها يوما من الذل يندم
ومن يغترب يحسب عدوا صديقه*****ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه*****يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة*****يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه***** يفره , ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يجعل المعروف في غير أهله***** يكن حمده ذما عليه ويندم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة*****وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكائن ترى من صامت لك معجب*****زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده*****فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده*****وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله*****ولكنني عن علم ما في غد عم
أما الشعراء المطبوعون فهم لا يؤيدون التنقيح ولا يعملون به .
وهذا وذاك دربان للمسيرة الادبية , لايعيب أحدهم على الآخر , بقدر ما هى الا اتجاهات سرى عليها الادباء , وان كنت شخصيا لا أميل الى التنقيح الا فى اضيق الحدود حتى لا تغيب العاطفة داخل النص ويميل النص الى الفكر والجزالة اللفظية مبتعدة عن الوجدان .
الشاعر وحيد راغب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق