الدين والشريعة

سيّد قطب الغاضب:

سيّد قطب الغاضب:

سأحدّثكم عن سيّد قطب من ذاكرتي المشوّشة، فتحمّلوا:
على خطى طه حسين في سيرته “الأيام” كتب قطب سيرته “طفل من قرية” وأهداها لطه.
خيوط كثيرة تشابكت لتصنع شخصيّة قطب القادم من قرية “موشا” بالصعيد إلى القاهرة، أهمّها محافظة الأسرة وخيالات الجن والعفاريت.
في القاهرة الفاجرة العامرة العاهرة .. إلخ تتلمذ قطب على العقاد وصار محاميه الشرس في معاركه ضد المحافظين: الرافعي وغيره. حتى تأذّى العقاد من بعض غلوّ تلميذه في الدفاع عنه.
و على خطى العقاد الذي كتب قصّة حبه الفاشل في روايته اليتيمة “سارة” كتب قطب روايته “أشواك”.
ربما كان قطب يحلم بأن ينال قليلًا من حظوة واهتمام الوسط الأدبي كما نال أساتذته طه حسين والعقاد.
لكنه مع أشعاره و كتاباته ومقالاته ومعاركه الأدبية والسياسية أصيب بنكبات عديدة:
حب فاشل، وجحود واضح، ظهر أثره عندما كتب توفيق الحكيم عن مسألة الأجيال، فرد عليه قطب بغضب شديد في “الرسالة” تقريبًا متحدثًا بمرارة عن تجاهل الكبار لجيله.
الحقيقة أن القضيّة لم تكن عامّة كما كتب قطب، فقد شعر بحسرات عندما كتب العقاد تقريظًا لكتاب عبد الله القصيمي”هذه هي الأغلال” بينما لم يكتب – أي العقّاد – كلمة واحدة طيّبة في حقّ سيّد قطب، وربما كان سيء الرأي في شعره.
سيّد قطب الشاعر الذي جمع حسن حنفي أشعاره في ديوان ضخم يعبّر عن إنسان هو عبارة عن كتلة من الألم المكتنز والإحباط المتراكم.
وسيّد قطب الناقد الذي اكتشف نجيب محفوظ وكان أستاذًا لأنور المعداوي ناقدنا الكبير الراحل.
غضب سيّد قطب من حبيبته التي خانته، ومن أساتذته الذين تنكّروا له، ومن السياسيين الانتهازيين. وفي مرحلته الليبرالية، كتب مقالًا يُعد قمّة في النقد السياسي والاجتماعي بعنوان”مدارس للغضب”، للأسف لا يزال يعبر عن أحوالنا حتى اللحظة.
منذ اللحظة التي فقدت فيها أسرته في “موشا” مكانتها الاجتماعية ورأسمالها المادي، صار قطب غاضبًا من الجميع: من المجتمع والسياسيّين والأساتذة والحبيبة وربما من ملامح وجهه أيضًا. ثم غضب من الغرب المتآمر الطامع المنافق عدوّ العرب والمسلمين.
عاش قطب 11 عامًا من الغضب ضد دين الخرافات والجن والعفاريت: أدمن خلالها شرب الخمر، و دعا إلى العري، وأحب و فشل.. فصار كتلة من الغضب.
الغضب- في رأيي- هو الوقود الذي حرّك سيّد قطب في كل مراحل حياته.
هو الذي جعله يؤيّد إعدام ثورة 23 يوليو لخميس والبقري. وهو الذي جعله ينقلب ليقف ضد الثورة.
و هو الذي جعله ينتقل إلى الإسلام ويكتب الظلال: كتاب الغضب الحالم، ويكتب معالم في الطريق: كتاب الغضب القاتل.
و كان قطب صادقًا في غضبه، حتى وإن لم يكن صائبًا في مواقفه.
و ما زال الغضب يُحرك أجيالًا من الشباب ، ممن يملؤهم الشعور بالعجز واليأس والإحباط، و يسيطر عليهم خيال جنّة الخلافة على الأرض، وجنة الحور العين في الآخرة.
(أحمد خفاجي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × واحد =

إغلاق