خواطر

صَفاقة- قصّة قصيرة

لَمْ يجلسِ الزّوجان الجديدان لوحدهما إلّا لياليَ قليلة منذ أنْ تزوّجا وسكنا في بيتهما الّذي ورثه الزّوج من والديه بَعد رحيلهما عن هذهِ الدّنيا. فَعَمُّ الزّوج الّذي يناهز السّبعين عامًا وزوْجته السّليطة اللّسان، والّتي تحاول أنْ تبدو دائمًا أصغر مِنْ عُمرها، غَلَوا في زياراتهما لهذين الزّوجين، إذ لا يفارقانهما في معظم اللّيالي تقريبًا. فما أنْ يعودُ الزّوجان مِنْ عملهما، حتّى يدخلا إليهما ليسّهرا معهما، ماضغين وقتهما الفارغ.

كانَ الزّوجانِ الجديدان يشعران بالضّيق بطبيعة الحال من هذا الوضع، وكانا متوجِّسَين مِن أنْ يُعبّرا عَنِ استيائهما بشكل مباشر مِن هذه المضايقة شبه اليوميّة، بَعْدَ أنْ لمْ تُعْطِ كافة التّلميحات أيّة نتيجة. وكما قال المثل: “إلّي ما بفهم من الإشارة الحكي معه خسارة”. فما أصعب التّعامل مع أناس يفتقرون إلى الذّوق، ولا يحترمون خصوصيّات وحياة الآخرين.

في أحدِ الأيّام زارهما صديق مِن أعزِّ أصدقاء الزّوج. وهل هنالك أجمل مِنَ الجلوس مع صديق قديم تسامره وتنادمه وتتبادل معه الأحاديث والنّكات؟! وهل هناك أجمل مِن أنْ تعيدا الذّكريات القديمة، والمغامرات الشّبابيّة فيما بينكما؟! لكنْ هذا لم يحدث! فما أنْ دَخل ذلكَ الصّديق بيتهما حتّى داهمهم عمّه وزوجته على غيلة، وهذهِ المرّة رافقهما ولداهما، فجلسوا مع الضّيف وكأنّه ضيفهم، وشربوا وأكلوا معه، حتّى فَلَّ ذلكَ الصّديق باكرًا يُسربله العجب.

جَزُلَ الأمر؛ أضحت مشكلتهما معروفة للجميع، وأصبح وضعهما لا يطاق، ولا بدَّ مِن حلٍّ. لا بدَّ مِن قرار حاسم ينهي هذهِ المعاناة الدّائمة وشبه اليوميّة. فقرّرا بعد أنْ أزاحا النّقاب عَن خجلهما، ألّا يَفتحا لهما الباب مهما طرقاه، رغم إدراكهما أن هذا سيكون سببًا لمشكلة. فهما جاران، وبابا البَيّتَين متقارِبَان واحد بجانب الآخر. أضف إلى ذلك أنَّ عمّه وزوجته سيّئا الطّبع إذا غضبا أو حقدا على أحد. لكن لا محالة من هذا القرار.

الباب يُقرع والزّوجَان في الدّاخل… يَسمعان همسًا… تقف الزّوجة خلف الباب ويتناهى إلى سمعها عمّ زوجها يقول لزوجته بِسخرية:
– يبدو أنّهما يغتسلان مع بعض!
تبعتها ضحكة طويلة من زوجته… أردف:
لنتركهما مبسوطَين… سنعود بعد أنْ ينتهيا.
وتعالى ضحكهما…

امتقع وجهُ الزّوجة من ريائهما وصفاقتهما؛ أرادت أنْ تفتحَ الباب وتزجرهما على خيالهما المريض بعد أنْ تأجّجتِ النّار داخلها، لكنّ الزّوج (الّذي سمع هو الآخر ما قالاه) منعها من ذلك لرفضه الانحدار إلى مستوى لا يليق بهما. فلا يريد المواجهة مع عمّه العربيد وزوجته السّفيهة.

لمْ يُطرق الباب إلّا في اليوم التالي… لكنّه بقي مغلقًا ولمْ يُفتح… سمعا عمّه خلف الباب يقول غاضبًا بصوت أجَشّ:
– أنتما عديما الذّوق… ليكن بعلمكما أنّنا لنْ نَطرق بابكما مرّة أخرى ولنْ نزوركما بعدَ اليوم.
عندما سمعَ الزّوجان الجملةَ الأخيرة، بَرَقَت أساريرهما، وقفزا فرحَين؛ فلأوّل مرّة منذ زواجهما قبل شهرين، سينعمان في بيتهما بالحرّية.
(عامر عودة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

9 − اثنان =

إغلاق