مكتبة الأدب العربي و العالمي

حمادي_في_النورماندي

Soka Diae

…وفي أوروبا تم الإعلان عن نشوب حرب عالمية أخرى. نهاية العالم وفٓناء الجنس البشري الأناني و المتعجرف أصبح مسألة وقت فقط ،كل الخبراء والمنجِّمون ورجال الدين ينبئون بهذا. البشرية تسير بِخُطى عوجاء نحو الهاوية والانسانية إنحطٌت الى أدنى مستواتها و الجثث تتطاير متناثرة هنا وهناك هامدة كأوراق الخريف…
و على مسارح القتال عزٓف قادة الفيالق و الجيوش سمفونية الموت على إيقاعاتٍ ضخمة ، فدُقّٓت طبول الحرب، وضُربت أوثار المدافع عل نغمات القنابل، وخٓيّٓم أزيز الطائرات المرعب فوق الرؤس، ودقت أجراس الكنائس وأُطلقت صافرات الإنذار مدوِّية فالقة هدوء العالم بضجيج صاخب ، عازفة أحزن الألحان حدادا على أرواح البؤساء…
ومن الشمال نحو الجنوب تطايرت شرارتها القٓدِرة لتصل الى بلادنا في اقصى المغرب بحثا عن دماء جديدة، تُقدّٓم كهدايا و قرابين لآلهة الحرب لعلها تُطفئ عطشها فتأذن بإنهاء هذا الكابوس المرعب
فنادا المنادي في الناس على أبواب الأسواق والمنابر يُرغِّبهم في الإلتحاق بجبهات القتال ويمنيهم بالحياة الكريمة التي تنتظرهم في أوروبا ،وتهامست الألسن عن طيب خمرها وجمال نسائها وانفتاحهن الكريم،
وهربا من قساوة العيش وجماد سيرورة الحياة لوقي هذا النداء بالقبول من شباب يائس وبائس يتوق لأي فرصة لخوض غمار المغامرة حتى ولو كانت على حساب حياته
و في مدخل قريتنا القابعة في عمق جبال الأطلس إجتمع حشد كبير لم يتجمهر قبله ولا بعده مثله ،و خرجٓت القرية عن زمرة أبيها فلم يبقى فيها أحد ، وسيق المجندون الى شاحنة كبيرة وكانو واحدا وعشرون نفرا، وكلهم من خيرة الشباب وحانت لحظة الفراق فكثر اللغط وصاحت النساء بالعويل ومنهن من تُطلق الزغاريد وبكى الاطفال فراقا على أبائهم او إخوانهم الكبار .وجرت سيول من الدمع بين خدود الأهل والاحباب أما ” حمّادي” فلم يرمش له جفن ولم تجري له دمعة فقد حجّر قلبه وخاف ان يظهر بمظهر الضعيف فيزيد المشهد بلة فعانق اباه وقبّل يد حبيبته أمه ولم يزد عن قول المسامحة ،وهي كلمة جامعة معروف معناها الدال على دنوّ الأجل. فارتجفت فرائس المرأة واغرورقت عيناها وسالت منها دموع داكنة سوداء ممزوجة بمسحوق الكحل الذي يتوج عينيها
.وخافت ألّا ترى فلدة كبدها بعد هذا الحين، فارتمت على أحضانه تقبله وضجت بالبكاء .وحاول ابوه انتزاعها منه محاولا مواساتها
مدّعيا الإفتخار بإبنه الشجاع الباسل الذي سيشارك في الحرب التي لا يخوضها إلا الرجال، داسا في اعماق قلبه شعورا بالحرقة لتوديع ابنه البكر.
وبعد أن تحرر من قبضة أمه الحنونة إنحنى على يد والده يقبلها واستغل الفرصة ليشم تلك الرائحة الطيبة التي تفوح من راحة كف والده الفلاح.. عرق ممزوج برائحة التراب يغني عن كل أنواع العطور وتذكر حديث جده عن ان للحلال رائحة طيبة
ثم أحس بقبضة والده تمسكه من كتفه بقوة كأنما ليلفته إلى وصيته الأخيرة وعند التقاء بصرهما طبطب عليه برفق واخبره برضاه عنه ووصاه فقال كن رجلا يا “حمّادي” ولا تنسى مراسلتنا كلما سنحت لك الفرصة فامعن النظر الى ابيه للمرة الاخيرة وأومأ له برأسه اي نعم.ثم نظر الى الحشد الكبير يحملق بين الوجوه لعله يرمق فاطمة، وتسائل في نفسه لماذا لم تأتي لتوديعه . وشغّل السائق محرك الشاحنة فرمى باغراضه إليها و نط صاعدا على مثنها .وحين استوى عليها واقفا تسنى له رؤية الحشد من الاعلى فكان مشهدا يشبه كثيرا يوم الحشر الذي نقش في مخيلته وحدثهم عنه فقيه القرية وتهيأ له انه واصحابه اصحاب النار وتمثل له الجنود الستة الذين يرافقون الشاحنة انهم الزبانية ثم نظر فلم يعد يستطيع ان يرى احد وسافر بخياله الى اعمق مايكون حتى تناها الا مسمعه صوت رقيق قوي أخرجه من غيابات شروده، صوت إعتادت عليه مسامعه ،يناديه من بين الحشد حمادي.. حمادي. وصرخ دونما ان يتبينه فاطمة ثم رآها وهي تقترب نحو الشاحنة مشيرة بكلتا يديها فيما دارت عجلات الشاحنة منبأة بالانطلاق الرحلة.وانطلق حمادي مع الركب المتجه نحو المجهول …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق