أخبار منوعةاقلام حرةمقالات
حصاد الرؤى ووهج البيان: أسبوع الترجمة يرسم ختامه البهي ثورةٌ فكريّةٌ في محرابِ اللّغات بقيادة الدكتورة أحلام حال
الأستاذة فاطمة عيساوي/الفريق الاعلامي

يسدل الستار اليوم على الفصل الأخير من حكاية «أسبوع الترجمة»، ذلك الصرح المعرفي الشامخ الذي شيده مركز البحث في علم الترجمة وتطبيقاته (CRTSA)، ليكون مهداً للرؤى، ومجرة للعلوم، ومنارة تهتدي بها الأقلام الحائرة بين ضفاف الألسن. وكما يتوج المساء ببدْرِهِ التّام، خُتمت الفعاليات اليوم بملتقى وطني زاهٍ يحمل عنواناً يستجيب لنداء العصر: «الأدوات التكنولوجية في خدمة الترجمة والمترجمين».

لقد كان هذا الملتقى الختامي صدى رائعاً لأسبوع حافل بالعطاء والفكر الخلاّق، انطلقت شرارته الأولى من عمق مشروع أصيل دشنته الدكتورة الجزائرية الفذة أحلام حال؛ تلك الباحثة التي لم تكتَفِ بالنظر إلى الترجمة كأداة نَقْلٍ صامتة، بل جعلت منها ساحةً للابتكار ورابطة روحية تجمع بين الحضارات

وعلى مدار أيام التظاهرة، توالت على المنصة قوافل النخب وسادة الفكر من باحثين وأكاديميين، نسجوا بأفكارهم أبهى أبعاد هذا التخصص الحيوي، وحولوا القاعات إلى محاريب يتقاطر فيها العلم والأدب.

مأدبةٌ فكريّةٌ: تحوّلاتُ التّكنولوجيا وتجلّياتُ الرَّقْمَنَة
لم يكن اليوم الختامي مجرد تتابعٍ لجلسات علمية روتينية، بل كان مأدبة فكرية ساهرة تشخص إليها الأبصار وتصغى لها الأفئدة. فقد أبحر المشاركون في عمق التحولات الراهنة، مطعّمين الطرح النظري بأدق التفاصيل العملية عبر محاور استراتيجية:
-
تحولات البحث المصطلحي: كشفت الجلسات عن كيفية انتقال المترجم من الطرق التقليدية المضنية في التفتيش عن المعنى إلى استخدام المعاجم الذكية والقواعد المصطلحيّة الرقمية، مما يمنحه سرعةً ودقةً في اقتناص اللفظة المناسبة.
-
سطوة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: تدارس الخبراء أثر الخوارزميات والترجمة الآلية؛ وهل يُعد الذكاء الاصطناعي منافساً يهدد عرش المترجم أم شريكاً مطواعاً يعزز قدراته ويحرره من أعباء النقل الروتيني؟
-
تجلّيات التحول الرقمي على المحرابين الأدبي والعلمي: جرى تسليط الضوء على الفوارق الدقيقة بين ترجمة النص العلمي الذي يتطلب صرامةً ودقةً متناهية، وبين الترجمة الأدبية التي تحتاج إلى رهافة حسٍ ورشاقة بيانٍ لنقل روح النص وأسلوب كاتبه عبر الوسائط الحديثة.
-
الأثر الأخلاقي وبوصلة المهنة: اتفق المجتمعون على أن التكنولوجيا مهما بلغت من الذكاء، تظل مجرد جثة هامدة دون الأثر الأخلاقي والحس الإنساني والمسؤولية الأكاديمية التي يحملها المترجم على عاتقه.
-
عوالم ترجمة النصوص الروائية: ركّز الباحثون على الجماليات السردية، وكيف يمكن للمترجم أن يكون خياطاً ماهراً يعيد غزل الخيال الروائي بلغة جديدة دون أن يفقد النص الأصلي بريقه أو ثقله الثقافي.

توجيهٌ وتأليق: تجربةُ الترجمةِ السمعيّةِ البصريّة
وفي هذا المحفل البهي، أشرقت رئيسة الملتقى، الدّكتورة أحلام حال — تلك القامة الضليعة والاسم البارز في عالم الترجمة السمعية البصرية — بمداخلة استثنائية كانت بمثابة قبسٍ هادٍ للطلبة والباحثين الجدد. فقد قدمت خريطة طريق توجيهية تضيء شعاب هذا التخصص الدقيق الذي يمزج بين الصورة والصوت والنص المترجم.
وقد تعانقت هذه المداخلة مع المحاضرات القيمة التي أُلقيت على مدار الأسبوع، لتشكل نسيجاً متكاملاً ينبض بالشغف الطلابي، ويجمع بين صلابة الطرح النظري ورشاقة التطبيق العملي على أفكار ونماذج تفور بالجدة والابتكار.
أسبوعُ الترجمة: نبعٌ جزائريٌّ يروي الثّقافات
إن «أسبوع الترجمة» ليس مجرد جذوة عابرة أو احتفالية رقمية تنتهي بانتهاء أيامها، بل هو فكرة رائدة ونبع معرفي زلال افتضت خفاياه باحثة جزائرية آمنت بأن الترجمة هي الرئة التي تتنفس بها الشعوب. ومنذ الرابع والعشرين من سبتمبر إلى ختامه في الثلاثين منه — والذي يصادف الاحتفال الفخم بـ اليوم العالمي للترجمة — تحولت التظاهرة إلى عيد أكاديمي يرفل بالفخامة والتميز.

وقد وصلت هذه الفكرة الميمونة إلى طبعتها الرابعة وهي أكثر نضجاً وأعمق أثراً، بفضل التكافل الأكاديمي والتعاون المثمر بين مركز البحث في علم الترجمة وتطبيقاته (CRTSA) وثلة من المؤسسات والمخابر العلمية الرائدة:
-
اتحاد المترجمين واللغويين الجزائريين: خط الدفاع الأول عن المهنة ورعاية أبنائها.
-
مخبر اللغة والخطاب والحضارات والآداب (جامعة محمد بن أحمد – وهران 2): الرائد في تفكيك الخطاب الأدبي والحضاري.
-
مخبر تعليمية اللغات واللسانيات التطبيقية (المدرسة العليا للأساتذة – الأغواط): الحاضن للمناهج الحديثة في تعليم اللغات.
-
مخبر البحث في اللغة والأدب الإنجليزي والترجمة وإنتاج المعرفة (جامعة قاصدي مرباح – ورقلة): الجسر الرابط بين النتاج الأكاديمي الجنوبي والآفاق العالمية.

ورغم ضخامة هذا المشروع وحضوره الملموس في المشهد الفكري الجزائري، فإن طموح المؤطرين والنخب المشاركة — وهم صفوة الفكر وعماد التميز — لا يتوقف عند الحدود الوطنية، بل يرنون بثبات إلى جعل هذا الأسبوع حاضراً وبقوة في المحافل الدولية، ليصير علامة فارقة تصدر المعرفة الجزائرية إلى العالم.
صدى الكلمات وتوصياتُ المستقبل
ولعل أبلغ ما يختزل هذا الاعتزاز والتميز المعرفي، تلك الكلمات الخالدة التي شَدَتْ بها الدكتورة أحلام حال في توثيقها لرسالة هذا اللقاء حين قالت:

«نلتقي اليوم لنحتفي بالترجمة والمترجمين؛ أولئك الذين وصفوا بحق بأنهم الأحصنة التي تجر عربات الثقافة العالمية. وما إحياء اليوم العالمي للترجمة إلا قبلة وفاء واعتراف بجهود هؤلاء الفرسان على مر العصور والحضارات، وهو مناسبة ممتازة لترسيخ مكانة الفن الترجمي وتأكيد أهميته وإبراز أدوار المترجم في بناء الإنسان
وتحت ظلال الشعار الجامع «الترجمة تجمعنا»، أينعت أهداف الأسبوع وأثمرت في يومه الأخير عن توصيات بناءة وأفكار استشرافية مهدت لها الدكتورة أحلام حال، لتكون لبنات صلبة في صرح المستقبل الترجمي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الطلبة والباحثين لمواصلة السير في هذا الدرب النبيل.

وتظل الفعاليات في عالم الترجمة معينا لا ينضر أفضل دكاترة صنعوا مشاريع رائدة تعبر عن شغف المعرفة وعشق للتميز تلك قصة مشاريع عندما ترى النور تبهر المستحيل
بقلم الأستاذة عيساوي فاطمة

