جامع القصبة… ذاكرة دينية وتاريخية تتوسط قلب تونس العتيقة
الاعلامي التونسي المعز بن رجب

في قلب المدينة العتيقة بتونس، يقف جامع القصبة، المعروف تاريخياً باسم جامع الموحدين، شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الدولة الحفصية وعلى قرون من الحياة الدينية والعلمية في تونس.

تعود قصة الجامع إلى عهد السلطان الحفصي أبو زكرياء يحيى، الذي أسّسه وأشرف على بنائه البنّاء الشهير علي بن محمد بن قاسم سنة 630 هـ/1230 م. وبعد ثلاث سنوات من الأشغال، اكتملت عمارته سنة 633 هـ، وكان السلطان أبو زكرياء أول من رفع فيه الأذان لصلاة الصبح يوم الجمعة، السابع من رمضان من تلك السنة، وفق ما أورده الوزير السراج في كتابه الحلل السندسية في الأخبار التونسية.
وظل الجامع، عبر القرون، يحتفظ بمكانته الدينية والعلمية. ففي القرن الماضي كان يُعرف لدى المشائخ والطلبة باسم الجامع الحفصي، قبل أن يصبح سنة 1932 فرعاً مدرسياً تابعاً لجامع الزيتونة، في امتداد للدور العلمي الذي لعبته جوامع تونس الكبرى.
ويتميز جامع القصبة بعناصر معمارية لافتة، أبرزها القبة التي تسبق المحراب، إلى جانب مئذنته الشامخة التي تستحضر في تصميمها مئذنة الكتبية في مراكش، وتعلو على محيطها لتكون نقطة بارزة في المشهد العمراني للمدينة العتيقة.

ومع دخول العثمانيين إلى تونس، شهد الجامع تحولاً في انتمائه المذهبي، إذ أصبح تابعاً للمذهب الحنفي سنة 992 هـ/1584 م. كما خضع خلال ستينات القرن العشرين لأشغال ترميم وصيانة حافظت على جزء مهم من ملامحه المعمارية والتاريخية.

ولم يكن جامع القصبة مجرد فضاء للعبادة، بل كان أيضاً مركزاً للحياة الدينية والعلمية. وكانت خطبته تحتل المرتبة الثانية ضمن سلسلة جوامع الخطبة في حاضرة تونس، وتعاقب على إمامته عدد من أبرز المشائخ والعلماء، من بينهم الشيخ برناز، والشيخ باكير التركي، والشيخ محمد الدهماني، والشيخ عبد الكبير قورصو، والشيخ حسونة التركي، صديق شيخ الإسلام محمد بيرم الثاني، إلى جانب الشيخ مصطفى الدنقزلي والشيخ محمد عباس وغيرهم.
ومن مظاهر مكانته العلمية أن الجامع كان يحتضن ختم الحديث الشريف في الثامن والعشرين من شهر رمضان، في تقليد ديني وعلمي يعكس المكانة التي احتلها الجامع في الذاكرة الروحية والعلمية لتونس.
لكن هذا المعلم التاريخي عاش مرحلة صعبة خلال السنوات التي أعقبت الثورة التونسية، إذ أُغلق أمام المصلين سنة 2013، بالتزامن مع أحداث القصبة والاعتصامات التي شهدتها المنطقة.
وبعد سنوات من الإغلاق، عاد الأمل إلى هذا المعلم التاريخي. فقد شهد الجامع أشغال صيانة وترميم بأمر رئاسي سنة 2024، قبل أن تُفتح أبوابه من جديد أمام المصلين والعموم يوم الأحد 7 جويلية 2024.

واليوم، يستعيد جامع القصبة حضوره في قلب تونس العتيقة، لا باعتباره مكاناً للصلاة فحسب، وإنما باعتباره جزءاً حياً من الذاكرة التونسية؛ معلماً تختزل جدرانه قرابة ثمانية قرون من التاريخ الحفصي والعثماني والزيتوني، وتروي مآذنه وقبابه حكاية مدينة ظل فيها الدين والعلم والعمران متداخلين عبر الأجيال.




