مقالات

من يملك مفاتيح المستقبل؟تونس من ثورة الاتصالات إلى معركة السيادة الرقمية

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

لم يعد الهاتف الذي يحمله التونسي في جيبه مجرد وسيلة للاتصال. ففي جهاز صغير تجتمع اليوم خدمات كثيرة: التواصل والعمل والتعلم والتسوق والدفع وقراءة الأخبار ومتابعة ما يحدث في العالم، بل والاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل والبحث.

لكن خلف هذه الشاشة الصغيرة بنية تحتية ضخمة لا يراها المستخدم مباشرة: آلاف الكيلومترات من الألياف البصرية، محطات وشبكات، مراكز بيانات، خوادم، كابلات بحرية تعبر المتوسط، وأنظمة لحماية المعلومات وتأمين حركة البيانات.

من هنا تبدأ القصة الحقيقية للتحول التكنولوجي في تونس.

فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الهاتف أو إيصال الإنترنت إلى المواطنين. التحدي الجديد يتعلق بمن يملك البنية التي تحمل البيانات، ومن يمتلك المعرفة القادرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية، ومن يستطيع حمايتها، ومن يملك هامش القرار في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً من عمل الدولة والاقتصاد والمجتمع.

تونس لم تعد تنتظر دخول العصر الرقمي. لقد دخلته فعلاً. غير أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً: الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن مجرد الاتصال بالعالم إلى امتلاك جزء من أدوات القرار الرقمي.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة اتصالات تونس أكبر من قصة مؤسسة اتصالات. فهي، بدرجات مختلفة، تعكس مسار تونس نفسها خلال ثلاثة عقود: من الهاتف الثابت إلى الهاتف الجوال، ومن الشبكات التقليدية إلى الألياف البصرية، ومن نقل الصوت إلى نقل البيانات، ثم إلى عالم أصبحت فيه الحوسبة والبيانات والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في الاقتصاد.

85.9 بالمائة من التونسيين على الإنترنت… ماذا بعد؟

تكشف نتائج المسح الوطني حول استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية لسنة 2026، الصادر عن مرصد الهيئة الوطنية للاتصالات في جويلية الماضي، أن نسبة استخدام الإنترنت بلغت 85.9 بالمائة من العينة المستجوبة.

كما بلغ استخدام خطوط الهاتف الجوال 95.4 بالمائة، فيما يمتلك 84.3 بالمائة من المستجوبين هاتفاً ذكياً.

هذه الأرقام تعكس انتشاراً واسعاً للتكنولوجيا الرقمية في الحياة اليومية. لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً آخر للنقاش.

فالوصول إلى الإنترنت لا يعني بالضرورة القدرة على الاستفادة الكاملة منه.

هناك فرق بين مستخدم يستهلك المحتوى وآخر ينتج المعرفة، وبين شخص يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي للترفيه وشاب يوظفها لتطوير مشروع أو برنامج أو خدمة قابلة للتصدير.

وهنا تتغير طبيعة الفجوة الرقمية.

في السابق كان السؤال الأساسي: من يستطيع الوصول إلى الشبكة؟

أما اليوم، فيصبح السؤال: من يمتلك المهارات التي تسمح له بتحويل هذا الاتصال إلى فرصة؟

وبحسب المسح نفسه، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً لدى نحو نصف مستخدمي الإنترنت في تونس، وهو مؤشر على سرعة انتقال هذه التكنولوجيا من عالم الشركات والمختبرات إلى الاستخدام اليومي.

غير أن سرعة انتشار الأدوات لا تعني بالضرورة أن المهارات تتطور بالسرعة نفسها.

وهذه واحدة من أهم القضايا التي ستحدد شكل المرحلة الرقمية المقبلة في تونس.

ثلاثة عقود من التحول

لفهم حجم التغيير، يكفي الرجوع ثلاثين عاماً إلى الوراء.

في الأول من جانفي 1996 دخل إحداث الديوان الوطني للاتصالات حيز التنفيذ، وهو المؤسسة التي أصبحت تحمل الاسم التجاري «اتصالات تونس».

منذ ذلك التاريخ تبدلت التكنولوجيا أكثر من مرة، وتغير معها سلوك التونسي وطريقة تعامله مع العالم.

كان الهاتف الثابت في البداية وسيلة الاتصال الأساسية. ثم جاء الهاتف الجوال، وبعده الإنترنت، فالجيل الثالث، فالجيل الرابع، ثم الألياف البصرية، وصولاً إلى الجيل الخامس.

لكن التحول الأهم لم يكن في الأجهزة وحدها، بل في طبيعة الشبكة نفسها.

وتشير اتصالات تونس، في حصيلة ثلاثة عقود من النشاط، إلى اعتمادها اليوم على ثلاثة كابلات بحرية وشبكة من مراكز البيانات المعتمدة، إضافة إلى أكثر من 60 ألف كيلومتر من الألياف البصرية التي تغطي مختلف مناطق الجمهورية.

هذه الأرقام تضع قطاع الاتصالات في موقع يتجاوز تقديم خدمة للمشتركين.

فالألياف البصرية ليست مجرد وسيلة لتسريع الاتصال، والكابلات البحرية ليست مجرد خطوط لنقل الإنترنت، ومراكز البيانات ليست مجرد مبانٍ تحتوي على خوادم.

كل ذلك أصبح جزءاً من البنية التحتية الحيوية للاقتصاد.

المصارف تعتمد عليها، والمستشفيات والجامعات والمصانع والإدارات تحتاج إليها، كما أصبحت الصحافة نفسها مرتبطة بها في جمع المعلومات وإنتاجها ونشرها.

وبذلك تحول الاتصال من خدمة قطاعية إلى شرط أساسي لعمل المجتمع الحديث.

5G… أكثر من مجرد سرعة

في 14 فيفري 2025، أطلقت اتصالات تونس رسمياً عرضها التجاري للجيل الخامس.

وكانت الشركة قد اختبرت تقنية 5G على شبكتها منذ سنة 2020، ثم خلال قمة الفرنكوفونية بجربة سنة 2022. كما أعلنت أن شبكتها تعتمد على أكثر من 60 ألف كيلومتر من الألياف البصرية، وأن نحو 90 بالمائة من محطاتها مرتبطة بالألياف.

غير أن قيمة 5G لا تختصر في سرعة تحميل الفيديوهات أو تحسين تجربة مستخدم الهاتف.

التكنولوجيا الجديدة يمكن أن تصبح قاعدة لتطبيقات إنترنت الأشياء، والصناعة الذكية، والروبوتات، والخدمات الصحية عن بعد، والحلول اللوجستية، والمراقبة الذكية، والمدن المتصلة، وغيرها من التطبيقات التي تحتاج إلى سرعة استجابة عالية.

لذلك، فإن نجاح 5G لن يقاس فقط بأداء الشبكة، بل بما ستنتجه هذه الشبكة من استخدامات اقتصادية واجتماعية.

إذا بقيت التكنولوجيا وسيلة لاستهلاك محتوى أكثر وبسرعة أعلى، فسيكون التطور تقنياً بالأساس.

أما إذا أصبحت منصة لإنشاء خدمات ومؤسسات وصناعات جديدة، فإنها يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

وهنا يكمن الاختبار الفعلي.

المعركة التي تجري تحت البحر

هناك جانب أساسي من الثورة الرقمية لا يراه المواطن، رغم أنه من أكثر عناصرها أهمية: الكابلات البحرية.

في فيفري 2025 أعلنت اتصالات تونس انضمامها إلى نظام الكابل البحري Medusa من خلال ربط مخصص بالألياف البصرية بين بنزرت ومرسيليا، بطاقة معلنة تبلغ 20 تيرابِت في الثانية، مع دخول المشروع مرحلة التشغيل وفق البرمجة المعلنة.

أهمية هذه المشاريع تتجاوز تحسين سرعة الإنترنت.

فالاتصال بالعالم لا يبدأ من الهاتف وينتهي عنده. جزء كبير من حركة البيانات الدولية يعتمد على بنية تحت البحر، ولذلك فإن تأمين مسارات الاتصال الدولية يمثل عنصراً من عناصر الأمن والاستمرارية الرقمية.

حين تستثمر تونس في ربطها بالكابلات الدولية، فإنها تعزز أيضاً موقعها داخل الخريطة الرقمية للمتوسط.

ولهذا يمكن القول إن جانباً من السيادة الرقمية يوجد فعلاً تحت سطح البحر.

الدولة التي لا تؤمّن طرق اتصالها الدولية تكون أكثر عرضة للهشاشة أمام الأعطال والأزمات والتبعية التقنية.

الدولة تدخل السباق الرقمي

التحول الرقمي لم يعد ملفاً يخص قطاع الاتصالات وحده.

فالحكومة التونسية أعلنت في 2025 برنامجاً للتحول الرقمي للفترة 2025-2026 يضم 138 مشروعاً، منها 99 مشروعاً للتحول الرقمي للإدارة، و18 مشروعاً للنهوض بالاقتصاد الرقمي، و12 مشروعاً للأمن السيبراني والثقة الرقمية، و9 مشاريع للبنية التحتية الرقمية.

وفي فيفري 2026 أعلنت الحكومة أن 192 مشروعاً أصبحت محل متابعة على المستوى الوطني، مع التأكيد على أن سنة 2026 ستكون سنة الانطلاقة الفعلية للرقمنة الكاملة للإدارة ضمن رؤية وطنية للفترة 2026-2030.

ومن بين المشاريع التي تم عرض تقدمها البوابة الموحدة للخدمات الإدارية، والدفع عن بعد، والطابع الجبائي الإلكتروني، والمرحلة الأولى من المستشفى الرقمي، ومنصة الترابط البيني الوطنية، ومنصة «تعمير» وغيرها.

هذه المشاريع يمكن أن تغير طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة، لكن نجاحها لن يرتبط بعدد المنصات والتطبيقات وحده.

فإذا ظلت الإجراءات معقدة، فإن نقلها إلى البيئة الرقمية لن يؤدي بالضرورة إلى تبسيطها.

ولهذا تبرز أهمية مبدأ إعادة هندسة الإجراءات قبل رقمنتها.

التحول الحقيقي لا يعني نقل البيروقراطية الورقية إلى شاشة الهاتف، وإنما إعادة تصميم الخدمة نفسها بما يجعلها أسرع وأبسط وأكثر وضوحاً للمواطن.

من الإدارة الرقمية إلى دولة البيانات

الأهم في المرحلة المقبلة ليس عدد التطبيقات التي سيتم إطلاقها، وإنما طريقة إدارة البيانات التي تنتجها الدولة والمواطنون والمؤسسات.

الحكومة تحدثت عن حوكمة البيانات وتصنيفها، والبيانات المفتوحة، وإدماج الذكاء الاصطناعي في مشاريع الرقمنة، معتبرة أن البيانات العمومية تمثل إحدى الركائز الأساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي.

وهنا تدخل الدولة مرحلة جديدة.

فالإدارة الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على البيانات في التخطيط واتخاذ القرار وتقديم الخدمات.

لكن البيانات لا تمنح القيمة بمجرد جمعها. القيمة تتولد من القدرة على تنظيمها وتحليلها وحمايتها واستخدامها وفق قواعد واضحة.

وهذا يقود إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العصر الرقمي: من يملك البيانات، ومن يحق له استخدامها، وتحت أي شروط؟

البيانات: ثروة ومسؤولية

كل استعمال للخدمات الرقمية يمكن أن ينتج أثراً من البيانات: عملية شراء، تحويل مالي، بحث على الإنترنت، استخدام لخدمة إدارية أو موقع جغرافي أو تفاعل مع منصة رقمية.

هذه البيانات يمكن أن تساعد في تحسين النقل والصحة والتعليم والتخطيط العمراني والخدمات الحكومية والاستثمار.

لكنها يمكن أن تصبح أيضاً مصدراً للمخاطر إذا غابت القواعد الواضحة المتعلقة بتخزينها والوصول إليها واستخدامها وحمايتها.

لذلك لم تعد حماية البيانات مسألة تقنية بحتة.

إنها أصبحت مرتبطة مباشرة بحقوق المواطن وخصوصيته وثقته في المؤسسات.

والتحول الرقمي الذي لا يرافقه نظام واضح للحوكمة وحماية المعطيات يمكن أن يتحول من فرصة إلى مصدر جديد للمخاطر.

الأمن السيبراني جزء من البنية الرقمية

كلما توسعت الرقمنة، اتسعت معها مساحة التهديدات.

هجوم إلكتروني يستهدف بنكاً يمكن أن يؤثر في آلاف العملاء. واختراق مؤسسة صحية قد يكشف معلومات حساسة. وتعطيل منصة إدارية يمكن أن يعطل خدمة عمومية. أما استهداف شبكة اتصالات، فقد تتجاوز آثاره الشركة نفسها إلى قطاعات تعتمد على الشبكة.

لهذا لا ينبغي النظر إلى الأمن السيبراني باعتباره إضافة تأتي بعد إنشاء الأنظمة.

الأمن يجب أن يكون جزءاً من تصميم النظام منذ البداية.

ومن اللافت أن البرنامج الوطني للتحول الرقمي خصص محوراً مستقلاً للأمن السيبراني والثقة الرقمية يضم 12 مشروعاً.

لكن حجم التحدي يتطلب أكثر من المشاريع.

إنه يتطلب ثقافة أمنية مستمرة تشمل الدولة والمؤسسات والمواطنين، وتربط بين البنية التحتية والمهارات والتشريعات والاستجابة السريعة للهجمات.

تونس متصلة… فهل هي سيادية رقمياً؟

هنا تظهر القضية الأوسع.

يمكن لدولة أن تكون متصلة بالعالم بشكل واسع، وفي الوقت نفسه تعتمد بدرجة كبيرة على الخارج في التكنولوجيا الأساسية.

قد يستخدم المواطن أحدث الهواتف والتطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن البلاد تمتلك التكنولوجيا التي تقوم عليها هذه الخدمات.

السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق، ولا تعني أن تصنع تونس كل شيء محلياً. ذلك غير واقعي في اقتصاد عالمي قائم على سلاسل تكنولوجية مترابطة.

المقصود هو امتلاك القدرة على الاختيار والتفاوض والحماية والتطوير.

بنية تحتية موثوقة، وبيانات محمية، وكفاءات متخصصة، وتشريعات مناسبة، وأمن سيبراني قوي، وقدرة بحثية، وشركات قادرة على المنافسة.

الأهم ألا تتحول تونس إلى سوق لاستهلاك المنتجات الرقمية التي يصنعها الآخرون، من دون أن يكون لها موقع في سلسلة إنتاج القيمة.

اتصالات تونس… من مشغل تاريخي إلى فاعل رقمي

في هذا السياق، تكتسب تجربة اتصالات تونس أهمية خاصة.

المؤسسة التي بدأت مسارها في 1996 لم تعد تعمل في البيئة نفسها التي عرفتها في سنوات الهاتف الثابت.

لقد أصبحت جزءاً من البنية التي تحمل البيانات وتربط المؤسسات وتصل تونس بالعالم وتوفر الأرضية لتقنيات مثل 5G.

وتشير الشركة أيضاً إلى مشاركتها في مشاريع مرتبطة بالربط الشبكي للإدارات والصحة والتعليم، إضافة إلى مشاريع تغطية المناطق البيضاء.

لكن المرحلة المقبلة ستفرض تحديات مختلفة.

فالمنافسة لن تكون فقط في عدد الأبراج أو سرعة الشبكة. ستتعلق كذلك بمراكز البيانات، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، والحلول الموجهة للمؤسسات، والقدرة على استثمار البيانات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، تمثل اتصالات تونس نموذجاً لتحول قطاع الاتصالات نفسه: من نقل الصوت إلى نقل البيانات، ومن تقديم الاتصال إلى المساهمة في منظومة رقمية أوسع.

سباق إقليمي لا ينتظر أحداً

تونس ليست وحدها في هذا المسار.

فالمغرب والجزائر ومصر ودول أخرى في المنطقة تعمل بدورها على تطوير البنية الرقمية، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والحكومة الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي.

كما يبين مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات أن العالم يواصل التقدم نحو الاتصال الشامل والهادف، مع استمرار فجوات مرتبطة بالكلفة والمهارات والاستخدام الفعلي.

لذلك فإن عدد مستخدمي الإنترنت لا يكفي وحده لقياس نجاح التجربة التونسية.

المعيار الأهم هو ما الذي تنتجه البلاد من هذا الاتصال.

كم مؤسسة رقمية قادرة على النمو؟ كم وظيفة جديدة يخلقها الاقتصاد الرقمي؟ كم خدمة عمومية أصبحت أسرع وأكثر فاعلية؟ كم قيمة اقتصادية يمكن استخراجها من البيانات؟ وكم شركة تونسية تستطيع تصدير حلولها إلى الخارج؟

والأهم: كم شاباً يستطيع العمل من تونس لصالح سوق خارجية دون أن يكون مضطراً إلى مغادرة البلاد؟

هنا يقاس موقع تونس الحقيقي في السباق الرقمي.

الذكاء الاصطناعي… فرصة جديدة أم تبعية جديدة؟

ربما يمثل الذكاء الاصطناعي الاختبار الأكبر في المرحلة المقبلة.

فالتونسيون يستخدمون أدواته بوتيرة متسارعة، لكن معظم النماذج والمنصات الكبرى طورتها شركات خارجية تمتلك إمكانات هائلة في الحوسبة والبيانات والاستثمار.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: يمكن أن تصبح تونس من الدول التي تستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، من دون أن تنتج جزءاً مهماً من أدواته.

الحل لا يكمن في محاولة منافسة الشركات العالمية العملاقة في كل المجالات.

الأجدى هو بناء منظومة محلية توظف الذكاء الاصطناعي في القطاعات التي تمتلك تونس فيها حاجات واضحة ومعرفة متراكمة وإمكانات للتطوير.

الصحة، الفلاحة، المياه، الطاقة، النقل، الإدارة، السياحة، الصحافة، الصناعة والتعليم كلها مجالات يمكن أن يتحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى أداة لرفع الإنتاجية وتحسين الخدمات.

عندها يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تكنولوجيا مستوردة؛ يصبح رافعة للإنتاج المحلي.

سوق الشغل… الخوف من الآلة أم من عدم الاستعداد؟

كل تحول تكنولوجي يثير الخوف على الوظائف.

لكن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت الآلة ستأخذ وظائف البشر، وإنما كيف ستغير طبيعة هذه الوظائف.

بعض المهن ستتراجع، وأخرى ستتغير، وستظهر وظائف جديدة.

أما الخطر الحقيقي فيكمن في وصول التكنولوجيا بسرعة أكبر من سرعة استعداد العامل والطالب والموظف والمهندس والصحفي للتعامل معها.

فالآلة قادمة، لكن آثارها لن تكون واحدة على الجميع.

ولهذا فإن الاستثمار في المهارات الرقمية لم يعد ملفاً تعليمياً فقط. إنه خيار اقتصادي واجتماعي.

الدولة التي لا تطور مهاراتها الرقمية ستضطر إلى استيرادها، والدولة التي تستورد المعرفة باستمرار ستجد نفسها في موقع أضعف داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.

الصحافة أمام الاختبار نفسه

التكنولوجيا لا تعيد تشكيل الاقتصاد فقط؛ إنها تعيد تشكيل مهنة الصحافة أيضاً.

كان الصحفي يحتاج إلى ساعات للبحث في الأرشيف أو تفريغ مقابلة أو تحليل كمية كبيرة من البيانات. اليوم تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي اختصار جزء كبير من هذا الوقت.

لكن التكنولوجيا نفسها تفتح باباً آخر أكثر خطورة.

فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج أخبار كاذبة وصور مزيفة وأصوات مقلدة ومقاطع فيديو يصعب أحياناً التمييز بينها وبين الحقيقي.

وهنا لا تتراجع قيمة الصحفي المهني، بل ترتفع.

فالآلة تستطيع إنتاج محتوى بسرعة، لكن الصحفي مطالب دائماً بالسؤال عن المصدر والدليل والسياق والمصلحة والمسؤولية.

في عصر الوفرة الهائلة في المعلومات، قد تصبح المهمة الأساسية للصحافة ليست إنتاج مزيد من المعلومات فقط، وإنما التحقق منها وحماية الحقيقة من الضجيج الرقمي.

التكنولوجيا ليست قدراً… إنها خيار

في النهاية، لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مجرد أدوات محايدة.

فكل تقنية تحمل معها آثاراً اقتصادية واجتماعية، وتؤثر في طريقة توزيع القوة والفرص.

من يملك البنية التحتية يمتلك جزءاً من القدرة على التحكم في الاتصال.

ومن يملك البيانات يمتلك مورداً استراتيجياً.

ومن يملك المعرفة يستطيع تحويل التكنولوجيا إلى قيمة وثروة.

لهذا لا ينبغي أن يقاس التحول الرقمي في تونس بعدد المشاريع أو سرعة الشبكات فقط.

المعيار الحقيقي هو مدى انعكاسه على حياة المواطن والاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والعدالة الاجتماعية.

أن تصبح الخدمة التي كانت تتطلب يوماً كاملاً متاحة خلال دقائق.

أن يصل الطبيب إلى المعلومة التي يحتاجها بسرعة.

أن يستطيع الطالب التعلم من أي مكان.

أن يتمكن صاحب المؤسسة من إنجاز معاملاته دون أن يضيع في دوائر البيروقراطية.

وأن يستطيع شاب تونسي بيع معرفته وخدماته إلى العالم من مدينته دون أن يضطر إلى مغادرة البلاد.

هذه هي القيمة الفعلية للتحول الرقمي.

من يملك مفاتيح المستقبل؟

قبل ثلاثة عقود، كان التحدي هو إيصال الهاتف إلى التونسي.

ثم أصبح الهدف إيصال الإنترنت، وبعدها الهاتف الذكي، ثم خدمات الجيل الثالث والرابع والألياف البصرية.

اليوم أصبحت تونس متصلة بدرجة غير مسبوقة.

لكن المرحلة المقبلة مختلفة.

لم يعد التحدي مجرد الوصول إلى التكنولوجيا، وإنما امتلاك القدرة على التأثير فيها وصناعة جزء من قيمتها.

لقد قطعت اتصالات تونس خلال ثلاثين عاماً مساراً طويلاً: من الهاتف الثابت إلى الجوال، ومن الشبكات التقليدية إلى الألياف البصرية، ومن الاتصال الوطني إلى الكابلات الدولية، ومن 4G إلى 5G.

لكن 5G ليست نهاية الرحلة.

ربما تكون بدايتها الحقيقية.

فالكابل البحري ينقل البيانات، والألياف البصرية تسرّعها، والجيل الخامس يجعل الاتصال أكثر مرونة، ومراكز البيانات تخزنها، والذكاء الاصطناعي يحللها.

لكن أياً من هذه العناصر لا يصنع المستقبل بمفرده.

المستقبل يحتاج إلى الإنسان، وإلى الجامعة والباحث والمهندس والصحفي والمؤسسة والدولة، وإلى مواطن يعرف حقوقه ومسؤولياته في البيئة الرقمية.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق تونس خلال السنوات القادمة ليس فقط: هل لدينا الإنترنت؟ ولا: هل وصلتنا 5G؟ ولا حتى: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟

السؤال الأعمق هو: هل سنبقى مستهلكين للتكنولوجيا التي يصنعها الآخرون، أم سنمتلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا والحلول التي يحتاجها الآخرون؟

من يملك الشبكة يملك طريق الاتصال.

ومن يملك البيانات يملك جزءاً من القوة.

ومن يملك المعرفة يملك القدرة على الابتكار.

أما من يجمع البنية التحتية والبيانات والمهارات والابتكار والثقة والأمن، فإنه يمتلك عناصر القوة الحقيقية في الاقتصاد الرقمي.

وتونس أمام فرصة مهمة: أن تحول بنيتها الرقمية من وسيلة لاستهلاك التكنولوجيا إلى منصة لإنتاج المعرفة، وخلق الثروة، وتطوير الخدمات، وتصدير الكفاءات والحلول.

عندها فقط لن تكون تونس قد دخلت العصر الرقمي فحسب…

 

بل ستكون قد بدأت في كتابة مكانها …

كاتب المقال المعز بن رجب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى