الرئيسيةمقالات

العالم الجليل الشيخ ك. علي كوتي المُسليار: شمس أشرقت بالعلم والمحبة

بقلم: عبد السلام الفيضي أمانة الأمين العام لمنظمة همسة سماء الثقافة الدولية – فرع الهند

Screenshot

انتقل إلى رحمة الله تعالى العالم الجليل الأستاذ ك. علي كوتي المُسليار، الأمين العام لجمعية علماء كيرالا، وشيخ الجامعة النورية العربية، وأحد أبرز رجال العلم والدعوة والتربية في منطقة مالابار الهندية.

لم يكن رحيل الشيخ رحيل عالم فحسب، بل كان غياب شخصية علمية وتربوية وإنسانية تركت أثرًا عميقًا في نفوس الآلاف ممن عرفوه، وتتلمذوا على يديه، واقتربوا من مجالسه، واستمدوا من أخلاقه وسمته قبل علمه ومعرفته.

كان الشيخ الأمين العام لجمعية علماء كيرالا، المؤسسة العلمية التي تمثل حضورًا بارزًا في الحياة الدينية والعلمية في الولاية، كما تولى قيادة الجامعة النورية العربية، ذلك الصرح العلمي والتربوي الذي تخرجت فيه أجيال متعاقبة، وحمل طلابه في قلوبهم شيئًا من علمه وأدبه وروحه.

كان صاحب عقل راجح، وبصيرة نافذة، وغيرة صادقة على الدين، وحرص عميق على مصلحة الأمة. وإلى جانب مكانته العلمية، امتلك أسلوبًا رفيعًا في التعامل، وأخلاقًا آسرة، وتواضعًا لافتًا، ورقةً ظلت حاضرة في حديثه ومجالسه.

ولهذا لم يكن الشيخ عالمًا في الكتب وحدها، بل كان عالمًا في الحياة أيضًا؛ قريبًا من الناس، حاضرًا في تفاصيلهم، ومؤثرًا في كل من عرفه.

علمٌ بلا تكبّر، ودعوةٌ تقوم على الرحمة

كانت حياته نموذجًا لاجتماع العلم والتواضع، والقوة في الحق والرحمة بالخلق، والدعوة إلى الخير بالحكمة وحسن التعامل.

وحين يرحل عالم اجتمعت في شخصيته البساطة والرقة والتواضع، وغرس المحبة في قلوب الناس على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم، فإن غيابه لا يُحدث فراغًا في الساحة العلمية فحسب، بل يترك فراغًا إنسانيًا واجتماعيًا يصعب تعويضه.

لقد كان الشيخ قاضيًا لعدد من المحلات، ومنها تيروركاد، كما كان مستشارًا لعدد من المؤسسات التعليمية، ومرجعًا في كثير من القضايا الدينية والاجتماعية. ولذلك امتد أثره إلى مجالات متعددة، ولم تقتصر مكانته على التعليم والتدريس.

ومن الشواهد التي تكشف عن الجانب الإنساني في شخصيته ما تناقلته الصحف قبل نحو عشرين عامًا عن عامل من ولاية تاميل نادو الهندية يُدعى كارثيك، جاء للعمل في منزل الشيخ.

لم يكن الشيخ ينظر إلى الناس من خلال الدين أو العرق أو الانتماء المؤسسي، بل كان يتعامل معهم بإنسانية واسعة، ويمنحهم من الاحترام والعطف ما يجعلهم يشعرون بقيمتهم وكرامتهم.

وقد وجد كارثيك في الشيخ عطفًا وحنانًا يشبهان حنان الأب.

وهكذا كان الشيخ في حياة من حوله كالمطر الهادئ والنسيم العليل؛ يحضر فيبعث الطمأنينة، ويجلس مع المحتاج فيشعره بكرامته، ويقترب من الضعيف فيمنحه شيئًا من القوة والأمل.

لقد جسّد في حياته العملية معنى الرفق والرحمة وحسن التعامل، وأثبت أن العالم الحقيقي لا يكتفي بتعليم الناس، بل يجعل من أخلاقه درسًا حيًا يتعلمه الآخرون.

عالم في اللغة والترجمة والخطابة

ومن الجوانب المضيئة في شخصية الشيخ موهبته اللغوية المتميزة.

كان أسلوبه في التعبير عذبًا، وكانت كتابته وخطّه في غاية الجمال. وإذا ترجم نصًا، لم يكن يكتفي بنقل الكلمات، وإنما كان يحرص على نقل روح المعنى ومقصده ودلالاته.

كما كان يجيد الكتابة والخطابة بالعربية والإنجليزية بطلاقة وسلاسة، وهي موهبة أسهمت في حضوره المتميز في المحافل العلمية والدينية.

وفي إحدى الندوات الفقهية التي نظمتها رابطة العالم الإسلامي في المملكة العربية السعودية، ألقى الشيخ محاضرة أثارت إعجاب عدد من كبار العلماء العرب، حتى نُقل أن بعضهم تساءل بدهشة عن وجود علماء بهذه المكانة العلمية في كيرالا.

وكانت تلك الشهادة تعبيرًا عن مكانة عالم لم يكن يبحث عن الشهرة، بل كانت مكانته العلمية والأخلاقية هي التي تفرض حضورها.

ثلاثون عامًا لم تطفئها الذاكرة

ما زلت أرى أمام عيني، وكأن المشهد كان بالأمس، شيخنا وهو يدرّسنا في جامعة باتّيكاد، قبل نحو ثلاثين عامًا، كتاب الإمام الغزالي الخالد «إحياء علوم الدين».

كانت المعاني الروحية والمعرفية تتدفق من حديثه، وكان صوته الهادئ العميق يسكب في أسماعنا وقلوبنا شيئًا من العلم والحكمة.

لم تكن دروسه مجرد شرح لكتاب، بل كانت تربية للروح، وتهذيبًا للنفس، وإيقاظًا للضمير.

وما تزال تلك الدروس خضراء في أعماق قلوبنا؛ لم تذبل ولم تبهت رغم مرور السنين، لأن ما يزرعه المعلم في العقل قد يبقى في الذاكرة، أما ما يزرعه في القلب فيبقى في الحياة.

أول لقاء… وحنان الأب

في عام 1989م، وصلت إلى الجامعة لمواصلة دراستي العليا.

وأثناء أدائي امتحان القبول، كان الشيخ مكلفًا بمراقبة الامتحان داخل القاعة. جاء ووقف إلى جانبي، ونظر إلى ورقة إجابتي، ثم تأمل خطي وقال:

«أأنت أمانت؟»

تعجبت كثيرًا: كيف استطاع الشيخ أن يعرفني وأنا لم أكن قد التقيته من قبل؟

ثم أدركت أن سر ذلك التعرف يعود إلى الصلة العميقة التي كانت تجمعه بوالدي، أمانت كويانّي مُسليار، زميله ورفيق دربه، ولا سيما ذلك الارتباط الجميل الذي كانت تصنعه المعرفة والكتابة بينهما.

ومنذ ذلك اللقاء، غمرني الشيخ بعاطفة أبوية صادقة، كانت تجربة مؤثرة منحتني دافعًا وثقة كبيرين.

أما ما تلقيناه نحن تلاميذه على يديه من تعليم وتربية ورعاية، فهو أمر يعجز الكلام عن الإحاطة به.

كان مجرد وجوده يمنح القلب راحة وسكينة.

وخلال سنوات الدراسة في الجامعة، كلما اتُّخذت إجراءات تأديبية بحق بعض الطلاب، كان الشيخ غالبًا ما يتحدث من جانبهم، ويتعامل معهم بروح الأب الرحيم.

وكان منهجه في التعامل مع الطلاب يقوم على فهم عميق لطبيعة التربية: فالطالب قد يخطئ، لكن الخطأ لا ينبغي أن يلغي إنسانيته، والتربية ليست عقوبة بقدر ما هي احتواء وإصلاح.

في أيام المرض… ظل قلبه متعلقًا بتلاميذه

في سنواته الأخيرة، ولا سيما حين اشتدت عليه مشقة المرض والضعف، كان أخي العزيز عثمان فايزي، الذي أكرمه الله بخدمة الشيخ والعناية به، يتصل بي كثيرًا ويقول:

«الشيخ يريد أن يراك. إذا كان لديك وقت، فتعال لزيارته».

وما إن أسمع هذه الدعوة حتى أترك ما في يدي، مهما كانت مشاغلي، وأذهب إلى غرفة الشيخ في الجامعة، وأجلس عند قدميه.

وكان الشيخ لا يسمح لي أبدًا بالجلوس على الأرض، بل يأمرني أن أنهض، ويجلسني إلى جواره على السرير.

ثم نتحدث قليلًا في بعض الأمور، وبعد مدة يقول لي:

«الآن يا بني، يمكنك أن تذهب».

كم كانت هذه الكلمات البسيطة عميقة في معناها!

فحتى في أشد لحظات ضعفه، كان قلبه متعلقًا بتلاميذه، وكان يجد في زيارتهم ولقائهم شيئًا من السعادة والراحة.

وكان عثمان فايزي يقول لي إن زيارة التلاميذ الذين يحبهم والحديث معهم يمنحان الشيخ سعادة كبيرة.

وهكذا ظل الشيخ، حتى في آخر أيامه، وفي ظل المرض والضعف، يحمل في قلبه مساحة واسعة لأبنائه وتلاميذه.

رحل الجسد… وبقي الأثر

كان الشيخ يحمل مسؤوليات جسيمة، ويواجه تحديات كثيرة في شؤون العمل والحركة، ومع ذلك كان يجد راحته في الأشياء البسيطة: لقاء تلميذ، أو حديث مع محب، أو مجلس علم، أو كلمة طيبة.

كان شيخ الجامعة شمسًا مشرقة بالعلم والمحبة؛ عاش قريبًا من الناس، ورحل تاركًا وراءه أثرًا لا يغيب بسهولة.

واليوم، ونحن نودع أحد أعلام الجامعة النورية العربية، ذلك الصرح الديني والتربوي العريق، نشعر أن صفحة مهمة من تاريخ العلم والتربية في كيرالا قد طُويت.

إن الفراغ الذي خلّفه رحيل الشيخ سيكون بالغ الصعوبة، لكن العلماء لا يموتون تمامًا.

قد ترحل أجسادهم، وتغيب أصواتهم عن المجالس، لكن كلماتهم تبقى، وأفكارهم تعيش، وتربيتهم تستمر في تلاميذهم.

فالحروف التي يغرسها العلماء في القلوب الخصبة تنبت أفكارًا، ورؤى، ومواقف، وتُخرج للأمة أجيالًا تحمل رسالة العلم وتضيء دروب المستقبل.

وهكذا تتحول الحروف إلى حياة، والدروس إلى سيرة، والذكريات إلى أمانة.

وسيظل الشيخ علي كوتي مُسليار حاضرًا في قلوب من أحبوه، وفي سيرة تلاميذه، وفي ذاكرة الجامعة، وفي كل قلب تعلّم منه معنى العلم والتواضع والرحمة.

أما وجهه المبتسم، الذي رحل إلى رحمة ربه بعد حياة حافلة بالعلم والعبادة وخدمة الناس، فلن تمحوه الأيام من ذاكرتي.

وسيظل صوته الهادئ، الذي كانت تفوح منه رائحة المحبة، يتردد في جدران القلب.

إن المجالس التي جمعتني بالشيخ، واللحظات التي قضيتها في صحبته، كانت تمنحني سعادة وثقة لا يمكن للكلمات أن تصفهما. وستظل تلك اللحظات من أكثر صفحات حياتي إشراقًا وإلهامًا.

رحم الله شيخنا وأستاذنا الجليل ك. علي كوتي مُسليار رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن العلم وأهله، وعن الجامعة وطلابها، وعن الأمة وخدمة الناس، خير الجزاء.

اللهم اجعل علمه صدقة جارية، وأثره باقيًا، وتلاميذه امتدادًا لرسالته، واجمعنا به في مستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

لقد غابت شمس الشيخ عن أعيننا، لكن نورها لن يغيب عن قلوبنا.

عاش عالمًا بالعلم والمحبة، ورحل عالمًا بالعلم والمحبة، وسيبقى نوره ممتدًا من جيل إلى جيل.

إعداد: بي. ك. سلمان بن كنج محمد
قسم اللغة – الجامعة النورية العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى