
كانت جدتي، رحمها الله، إذا همّ أحد أبنائها بالرحيل، ترتجف معها الأرض كلها، كأن جذورها في التراب تُنتزع من بين أضلعها. كانت الحمى تشتعل في جسدها كجمر في موقد قديم، والدموع تنهمر من عينيها كأنهار لا تعرف منبعا ولا تدرك مصبا، صرختها تشبه نداء الطيور حين تفقد أفراخها، تهتف بصوتها المبحوح: أريدكم أمامي، أفرح بفرحكم، أطبب مريضكم، وأطبخ لجائعكم. لن أشارككم أرضا أخرى، فأنا بنت هذه الأرض، وأنتم جذوري الممتدة فيها.
كانت رحمها الله مهما رسموا لها صورا وردية عن الضفة الأخرى، تتشبث برأيها كما تتشبث نخلة عتيقة بجذورها في صخر الوطن، لا تهزّها الرياح ولا يغريها بريق السراب الخادع. لم أرها مستبدة برأيها مدافعة عنه إلا في هذا القرار، حيث كانت تدخل في خصام طويل مع عمي الصغير الذي ظل يحلم دوما بالهجرة، لكن بحنكتها المعهودة بمجرد أن تراه مصرّا على تحقيق الحلم تسارع في نزع دملج من يدها أو لويزة من عنقها وتقديمها كرشوة عاطفية، تستجديه علّه يبقى بجانبها. مذكرة إياه بصوتها الشجي: لقد أسكنتك بطني، وحملتك في كل لحظة، ضحكت معي وبكيت معي، تنفست معي عبق هذه الأرض وأكلت معي من خيراتها، وشربنا سويا من ينابيعها، فكيف أفارقك وأنا لا أدري أين تنام؟ من يهيئ لك قهوة الصباح، ومن يطبخ لك كل ما تشتهيه وتبغيه؟ ومن ينتظرك مساء حينما يحل الظلام؟
كانت جدتي امرأة ربانية، صوفية، متشبثة بخدمة المسجد وزيارة أولياء الله الصالحين. لا تكف عن الذكر والدعاء لا يفوتها فرض أو نافلة، تتحدث بالأمثال وتستدل بالحكايات وتردد على مسمعنا دائما: «الثور الأبيض لا يُعرف إلا في بلده».
كانت تمقت الهجرة حتى داخل الوطن، وظل أبناؤها بجوارها، رزقهم الله من فضله، كوّنوا أسرا، وعاشوا مستورين. أكثر ما كان يشغلها هو الصلاة، تخشى أن يفرّطوا فيها إذا هاجروا، لأنها كانت تدرك أن الهجرة انسلاخ عن الجذور، وأن الوطن، مهما قست ظروفه، يبقى رحيما بأبنائه.
ولا زلت أتذكر حين ذهب ابني البكر للدراسة خارج الوطن، قالت لي: كم أنت قاسية، كيف تتركين شابا قاصرا يهاجر ليعيش وحده في بلاد بعيدة؟ أجبتها بحسرة وبقلب أم مكلومة أفعل ذلك من أجل مستقبله، فالدراسة في الخارج أفضل بكثير مما هو متوفر عندنا، البحث العلمي هناك أكثر تطورا. كانت رحمها الله تسمع وهي تبتسم وملامحها تشي بعدم الاقتناع بما أقول، ولقد باغتتني بنبوءتها التي تحققت فيما بعد. لطالما كنت أجادلها، لكنها كانت تكرر: «خبزي في داري ولا دجاج في ديور الناس». وفعلا، تحققت نبوءتها، واستقر ابني في بلاد الغربة. كانت تقول دائما رحمها الله: من «ذاق خبز الجُولة عمره ما يرجع للدار».
إن تشبث الأم بأولادها لا يُفهم إلا في ضوء تلك العلاقة السرمدية التي تبدأ في البطن، وتستمر في الروح. وتستقر في الوطن، وما يجري اليوم من هجرة علنية لشباب في عمر الزهور، أمام مرأى العالم، ينبئ بخلل في التربية، بغياب الحوار، وضياع أواصر المودة التي كانت تجعل الأم قادرة على تغيير مسار ابنها لأنها تدرك أن مصلحته في البقاء لا الهجرة. ما يحزّ في النفس أن بعض الأمهات اليوم يشجعن أبناءهن على ركوب أمواج الخطر، يرمين بهم في البحر من أجل رفاهية قد تكون سرابا. نعم إن الحق في البحث عن حياة أفضل هو حق مشروع. لكن، هل فعلا تتحقق هناك أحلام السيارة الفارهة والدخل المغري والتطبيب الخارق؟ أم أن أوروبا العجوز تنخرها مظاهر العجز التي لا تخطئها العين؟
ما لا يمكن إنكاره أن في الوطن مفسدين اغتنوا دون وجه حق على حساب الضعفاء. فوجدنا أنفسنا أمام غنى فاحش يقابله فقر مدقع، وعدالة اجتماعية محتشمة تخطو خطواتها الأولى. وفي المقابل لابد من الاعتراف بأن هناك إصلاحات جذرية ومشاريع كبرى ستظهر مردوديتها قريبا لا محالة، فقليل من الصبر جميل. نؤكد أن مطالب الشباب مشروعة: التعليم والصحة والعمل. لكن ينبغي أن يدركوا أن الهروب لن يغير الواقع، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح. فعليهم أن يمارسوا حقهم الكامل في الانتخابات، أن يصوتوا لمن يخدم مصالحهم لا مصالحه، فقد انقضى عصر التسيب وجاء وقت المحاسبة.
لقد صدقت جدتي حين قالت: قطران بلادي ولا عسل البلدان. إنها حكمة تُسكب في القلب كالماء البارد، وتذكرنا أن الوطن، مهما ضاق، يبقى أوسع من الغربة، وأن جذورنا، مهما حاولنا اقتلاعها، تظل تنزف حنينا إلى تراب الأرض الأولى.
الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو رحمٌ ثانٍ، إذا خرجنا منه عشنا غرباء، وإذا عدنا إليه عدنا أطفالا في حضن لا تشيخ.
الوطن، في نظر جدتي رحمها الله، كان كالأرض التي تُنبت القمح ولو جفّت السماء، وكالأم التي تُرضع أبناءها ولو جفّ الحليب. كانت ترى أن الغربة ليست سفرا، بل موتا بطيئا، وأن الهجرة ليست بابا للرزق، بل نافذة للتيه. كانت تؤمن أن خبز الوطن، وإن كان يابسا، أطيب من موائد الآخرين، وأن ظلّ الوطن، وإن كان قصيرا، أرحم من شمس الغربة الحارقة.
وهكذا، ظلّت كلماتها ترنّ في أذني كجرس قديم، تُذكّرني أن الوطن، مهما علا فيه صوت الفساد، يبقى بيتا، وأن الغربة، مهما تلألأت بوعودها، تبقى صحراء بلا ماء…
كريمة نور عيساوي



