ملخص محاضرتي لطلاب الدراسات العليا للناطقين بغيرها بعنوان : تحليل الأخطاء اللغوية لدى متعلمي العربية الناطقين بغيرها: من التشخيص إلى المعالجة التعليمية
الدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية

تحليل الأخطاء اللغوية لدى متعلمي العربية الناطقين بغيرها: من التشخيص إلى المعالجة التعليمية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ألتقي بكم اليوم في هذه المحاضرة التي تتناول موضوعًا يُعد من أكثر موضوعات اللسانيات التطبيقية أهميةً وحيوية، وهو تحليل الأخطاء اللغوية لدى متعلمي العربية الناطقين بغيرها. ولا تكمن أهمية هذا الموضوع في كثرة الدراسات التي تناولته فحسب، وإنما في كونه يمس جوهر عملية تعليم اللغة وتعلمها، ويتيح لنا أن نقرأ مسار التعلم من خلال ما ينتجه المتعلم من لغة، لا من خلال ما يحفظه من قواعد.
وأود أن أبدأ معكم بسؤال بسيط، لكنه يحمل أبعادًا علمية عميقة:
هل الخطأ اللغوي الذي يقع فيه متعلم العربية دليل على ضعف تعلمه، أم أنه دليل على أنه يتعلم بالفعل؟
غالبًا ما تكون الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي أن الخطأ دليل على عدم إتقان اللغة. وهذه النظرة كانت سائدة في كثير من المدارس التعليمية التقليدية، حيث كان يُنظر إلى الخطأ بوصفه أمرًا ينبغي التخلص منه بأسرع وسيلة ممكنة، وكان نجاح المعلم يُقاس أحيانًا بقدرته على تقليل عدد الأخطاء التي يقع فيها طلابه.
لكن اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا آخر:
هل يمكن لطفل أن يتعلم المشي دون أن يتعثر؟
لا أحد يتوقع ذلك. فالتعثر جزء طبيعي من تعلم المشي، بل هو دليل على أن الطفل يحاول، ويجرب، ويكتسب التوازن تدريجيًا. والأمر نفسه ينطبق على تعلم اللغة؛ فالخطأ ليس دائمًا علامة فشل، بل قد يكون علامة على أن المتعلم يبني نظامه اللغوي، ويختبر الفرضيات التي كوّنها عن اللغة الجديدة.
ومن هنا جاءت النظرة الحديثة إلى الخطأ، فلم يعد مجرد انحراف عن القاعدة، بل أصبح مصدرًا للمعرفة، ونافذةً تكشف لنا كيف يفكر المتعلم، وكيف ينظم المعلومات اللغوية في ذهنه، وما الاستراتيجيات التي يستخدمها عندما يحاول التعبير بلغة لم يكتمل تمكنه منها بعد.
ولعل هذه النقلة الفكرية تمثل أحد أهم التحولات التي شهدها علم تعليم اللغات خلال العقود الأخيرة؛ إذ انتقل الاهتمام من السؤال: كيف نصحح الخطأ؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا وقع الخطأ أصلًا؟
والفرق بين السؤالين كبير.
فعندما نسأل: كيف نصحح الخطأ؟ فإن اهتمامنا ينصب على النتيجة.
أما عندما نسأل: لماذا وقع الخطأ؟ فإننا نبحث عن السبب، ونحاول أن نفهم عملية التعلم ذاتها.
وهذا هو جوهر تحليل الأخطاء.
إذا تأملنا عمل الطبيب، نجد أنه لا يبدأ بإعطاء الدواء قبل أن يشخص الحالة. وإذا فعل ذلك، فإنه يعالج الأعراض، لا المرض. وكذلك المعلم؛ فلا يستطيع أن يعالج أخطاء المتعلم معالجة صحيحة ما لم يفهم طبيعة هذه الأخطاء، وأسبابها، والظروف التي أدت إلى ظهورها.
ولهذا فإن تحليل الأخطاء يمثل مرحلة التشخيص في العملية التعليمية، أما المعالجة التعليمية فهي مرحلة العلاج. ولا يمكن أن يكون العلاج ناجحًا إذا كان التشخيص ناقصًا أو غير دقيق.
ولذلك فإنني أحب أن أقرر منذ بداية هذه المحاضرة مبدأً أعدّه أساسًا في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وهو:
إن الخطأ اللغوي ليس المشكلة الحقيقية، وإنما المشكلة الحقيقية هي أن نعجز عن فهم الرسالة التي يحملها هذا الخطأ.
فالخطأ رسالة.
ورسالة المتعلم قد تقول لنا إنه لم يفهم قاعدة معينة، أو إنه نقل قاعدة من لغته الأم، أو إنه عمّم قاعدة عربية في غير موضعها، أو أنه لم يتلقَّ مدخلات لغوية كافية، أو أن طريقة التدريس نفسها تحتاج إلى مراجعة.
ومن هنا يصبح الخطأ وثيقةً علمية تستحق الدراسة، لا مجرد إجابة توضع تحتها علامة حمراء.
إن تعليم العربية للناطقين بغيرها يختلف عن تعليمها لأبنائها؛ لأننا لا نتعامل مع متعلم يمتلك نظامًا لغويًا عربيًا يحتاج إلى التهذيب، بل نتعامل مع متعلم يبني نظامًا لغويًا جديدًا، ويتأثر في أثناء ذلك بلغته الأم، وثقافته، وخبراته السابقة، وطريقة تعلمه، والبيئة التي يعيش فيها.
ولهذا السبب، فإن الخطأ الذي يقع فيه طالب يتحدث التركية قد يختلف في أسبابه عن الخطأ الذي يقع فيه طالب يتحدث الإنجليزية، أو الملايوية، أو السواحيلية، حتى لو بدا الخطأ واحدًا في ظاهره.
وهنا تبرز أهمية الباحث في تعليم العربية؛ لأنه لا يكتفي بوصف الخطأ، بل يحاول تفسيره في ضوء الخلفية اللغوية والثقافية للمتعلم، ثم يبني على هذا التفسير معالجة تعليمية مناسبة.
ولذلك فإن تحليل الأخطاء ليس عملًا إحصائيًا، وليس مجرد جمع للأمثلة، وإنما هو عملية علمية متكاملة تبدأ بالملاحظة الدقيقة، ثم جمع البيانات، ثم تصنيف الأخطاء، ثم تفسيرها، ثم الوصول إلى نتائج تساعد في تطوير المناهج، وإعداد المعلمين، وتحسين طرائق التدريس.
ومن هنا أود أن أطرح عليكم سؤالًا للتفكير:
لو طلبت منكم أن تجمعوا مائة خطأ لغوي ارتكبها متعلمون للعربية، فهل تكونون قد أنجزتم بحثًا في تحليل الأخطاء؟
الإجابة هي: لا.
لأن جمع الأخطاء هو بداية الطريق فقط، أما البحث العلمي الحقيقي فيبدأ عندما نسأل:
- لماذا تكرر هذا الخطأ؟
- ولماذا لم يظهر عند متعلمين آخرين؟
- وهل سببه اللغة الأم؟
- أم سببه المنهج؟
- أم طريقة التدريس؟
- أم طبيعة اللغة العربية نفسها؟
- وكيف يمكن معالجة هذا الخطأ معالجة مستدامة، لا مؤقتة؟
هذه الأسئلة هي التي تنقل الباحث من مرحلة الوصف إلى مرحلة التفسير، ومن التفسير إلى بناء حلول تعليمية.
…نلتقي ان شاء الله
المحاضرة القادمة
: “مفهوم الخطأ اللغوي وتطور النظر إليه في الدراسات اللغوية”



