نشاطات

الخليج… مدارات نجاح حين تتحول الفكرة إلى مشروع، والطموح إلى وطن من الإنجاز حوارية راقية للدكتورة نورة العاصم

الأستاذة فاطمة عيساوي

الخليج… مدارات نجاح
حين تتحول الفكرة إلى مشروع، والطموح إلى وطن من الإنجاز مع الشيخ فواز بن محمد بن صالح باشراحيل

في رحاب همسة نت الدولية، حيث تلتقي الكلمة الهادفة بالرؤية الواعية، والعلم بالتجربة، والإعلام برسالته الحضارية، أشرقت حلقة جديدة من برنامج “من الخليج… مدارات نجاح”، إعدادًا وتقديمًا للدكتورة نورة العاصم، التي نجحت في أن تجعل من الحوار رحلةً فكريةً ثرية، ومن الأسئلة جسورًا تعبر بالمشاهد إلى آفاق الريادة والابتكار.

واستضافت في هذه الحلقة الشيخ فواز بن صالح باشرحيل، الذي قدّم خلاصة تجربة امتدت عبر سنوات من العمل، مزج فيها بين الفكر الاقتصادي، وريادة الأعمال، والالتزام بالقيم، ليؤكد أن النجاح ليس محطة يصل إليها الإنسان، بل طريقٌ تتجدد فيه الخطوات، وتثمر فيه التجارب.
ولم يكن اللقاء مجرد حديث عن التجارة بوصفها مهنة، بل عن ثقافة تصنع الإنسان قبل أن تصنع الأرباح. فقد بيّن الشيخ أن التاجر الناجح هو من يقرأ حاجات الناس كما يقرأ البحّار حركة الأمواج، فيوفر ما يحتاجه السوق وفق دراسة واعية، ورؤية دقيقة، وتحليل للمؤشرات الإيجابية والسلبية، لأن السوق لا يرحم العشوائية، وإنما يفتح أبوابه لمن يحمل مفاتيح التخطيط والإبداع.
وأكد أن أي مشروع لا بد أن يقوم على رؤية واضحة، وخطة استثمارية محددة، واحترام للقانون التجاري، حتى تتحول الفكرة إلى كيان اقتصادي قادر على الاستمرار، فالتجارة ليست مغامرة عابرة، وإنما بناءٌ متين، أساسه التخطيط، وأعمدته الصبر، وسقفه الثقة بالله.
واستعاد الشيخ فواز بداياته، مبينًا أن شخصيته تشكلت في بيئة أسرية غرست فيه معاني الأمانة، والاحترام، وتحمل المسؤولية، فكانت الأسرة أول مدرسة، والأب أول معلم، والإخوة أول شركاء في بناء الطموح. ومنذ سنواته الدراسية الأولى بدأت ملامح التاجر تتكون في وجدانه، حتى انطلق في أولى تجاربه وهو في المرحلة الثانوية، ثم اتسعت آفاقه لتجمع بين المجال الطبي وشغفه الكبير بالفروسية.

وفي حديث امتزج فيه الاعتزاز بالتواضع، استعرض تجربته في تأسيس نادي للفروسية، وتكوين فريق عمل متميز، والإشراف على عشرات السباقات، كان من أبرزها تنظيم أول سباق للقفز العالي في المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع اتحادات الفروسية وجهات رسمية مرموقة، ليؤكد أن النجاح لا يولد من فراغ، بل من رؤية واضحة، وفريق متجانس، وإدارة واعية.
وانتقل الحوار بعد ذلك إلى العلاقة بين الوظيفة وريادة الأعمال، حيث أوضح الشيخ أن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 فتحت آفاقًا واسعة أمام الشباب، من خلال الصناديق التمويلية، والبنوك الداعمة، والحوكمة الرشيدة، والتشريعات المحفزة، مؤكدًا أن الوظيفة ليست نهاية الطموح، بل قد تكون نقطة انطلاق نحو مشروع خاص، إذا اقترنت بالإرادة والتخطيط.
كما أبرز أهمية التعاونيات والمشروعات التشاركية، مؤكدًا أن الأسرة الواحدة تستطيع أن تؤسس مشروعًا ناجحًا إذا اجتمعت الرؤية، وتكاملت القدرات، وأن العمل الجماعي هو أقصر الطرق إلى التنمية المستدامة.
ولم يخلُ اللقاء من الحديث عن أسباب تعثر بعض المشروعات، رغم توافر رأس المال والإمكانات، فبيّن الشيخ أن الحلقة المفقودة في كثير من الأحيان هي العميل؛ إذ لا يكفي أن يمتلك التاجر سلعة جيدة، بل يجب أن يحسن فهم احتياجات الناس، ويقدم منتجًا منافسًا، ويحترم الزبون، لأن العميل ليس رقمًا في سجل المبيعات، بل شريكًا في صناعة النجاح.
وأكد أن أعظم مقومات التاجر الناجح تتمثل في تقوى الله، والأمانة، والإتقان، والصدق، واحترام الناس، وتحقيق المنفعة للمجتمع، فالأرباح قد تزول، أما الأخلاق فتبقى، والثقة رأس مال لا تشتريه الأموال.
وحين سألته الدكتورة نورة العاصم عن “النجاح الخفي” في حياته، لم يتحدث عن الصفقات أو الأرباح، بل تحدث عن الأثر؛ فقد استطاع أن يجمع أكثر من عشرة آلاف مهتم بالتجارة وريادة الأعمال، وأسهم في إلهام عدد من الشباب الذين تبنوا أفكاره، بل إن أحدهم أصدر كتابًا بعنوان “كن تاجرًا”، مستلهمًا مبادرته ورؤيته، في صورة تجسد أن الفكرة الصادقة تنبت أفكارًا، وأن النجاح الحقيقي هو أن تصنع ناجحين آخرين.
وفي المحور الأخير من اللقاء، كشف الشيخ فواز بن صالح باشرحيل عن أمنية يحملها في إطار رؤية المملكة العربية السعودية 2030، تتمثل في إيجاد نموذج استثماري جديد لتمكين رواد الأعمال المبتكرين. واقترح أن تتكاتف البنوك المانحة والصناديق التمويلية لإنشاء شركة تحتضن مجموعة من أصحاب الأفكار الواعدة، بحيث يُختار – على سبيل المثال – عشرة مبتكرين، ويُمنحون الفرصة ليكونوا أعضاءً تنفيذيين في شركة واحدة، تتولى الجهات المانحة متابعتها والإشراف عليها خلال مراحلها الأولى، حتى تتمكن من سداد التزاماتها المالية، ثم تنتقل ملكيتها بالكامل إلى هؤلاء الشباب، ليصبحوا قادة لمشروعهم، وشركاء في نجاحه.
وقد توقفت الدكتورة نورة العاصم عند هذه المبادرة بإعجاب، مؤكدة أنها تمثل فكرة رائدة تستحق الدراسة والتطبيق، لما تحمله من رؤية تنموية تقوم على الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في رأس المال، وعلى بناء الشركات من العقول المبدعة، لا من الأموال وحدها.
وفي كلمته الأخيرة، وجه الشيخ فواز رسالة مؤثرة إلى الشباب، قال فيها: “لا تعطلوا قدراتكم حتى يأذن الله بانتهاء الأجل، فالإنسان خُلق ليعمل ويعمر ويجتهد. وإذا كبا الجواد، فإنه لا يبقى على الأرض، بل ينهض من جديد، ويواصل السباق بقوة أكبر.” وأضاف أن الطموح لا يعرف حدودًا، وأن المؤمن بقدراته لا يتوقف عند عثرة، ولا يستسلم لإخفاق، بل يجعل من كل تجربة درسًا، ومن كل سقوط بدايةً جديدة.
واختُتم اللقاء بوعدٍ بلقاء قادم يحمل عنوان “كلنا نستطيع”، في استمرار لمسيرة البرنامج في دعم ثقافة المبادرة والنجاح. كما وجه الشيخ فواز بن صالح باشرحيل شكره وتقديره إلى همسة نت الدولية، مثمنًا رسالتها الإعلامية الراقية، وما تقدمه من برامج تنموية وثقافية، ومشيدًا بجهود القائمين عليها، وبالدور المتميز لمشرفيها في نشر المعرفة، وترسيخ قيم العمل والإبداع.
لقد أثبت برنامج “من الخليج… مدارات نجاح” أنه ليس مجرد برنامج حواري، بل مدرسة في الريادة، ومنصة لإلهام الشباب، وجسر يصل بين الفكرة والتطبيق، وبين الطموح والإنجاز. وأكدت الدكتورة نورة العاصم، بحسن إعدادها وإدارتها للحوار، أن الإعلام الواعي قادر على أن يصنع الأمل، ويوقظ الطاقات، ويغرس في النفوس ثقافة المبادرة، لأن الأمم لا تبنى بالأحلام وحدها، بل بالأفكار التي تتحول إلى مشاريع، وبالمشاريع التي تتحول إلى منجزات، وبالمنجزات التي تصنع مستقبل الأوطان

كاتبة المقال فاطمة عيساوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى